في بعلبك، طبيب حاول قتل زوجته الطبيبة بسبب "الغيرة" من نجاحها مهنياً: عنف وبتر للأصبع وتهديد "بالمحكمة الجعفرية"

التحري | | Monday, November 15, 2021 7:31:48 PM

فتات عياد - التحري

لم تكن مهنة الطب "الإنسانية" رادعاً للطبيب يوسف ليخرج "الوحش" الذي بداخله ويمارس عنفه "اللإنساني" ضد زوجته الطبيبة النسائية عزة الطشم، في محاولة قتل مخطط لها، هدفها المعلن مادي، وهدفها الباطني انتقام من امرأة ناجحة. فغيرة "الذكر" التي بداخله، رفضت تفوق زوجته مهنياً، حدّ بتر إصبع يدها الذي "بيطلّع مصاري"، وجعلتها تعاني اليوم آثاراً نفسية بالغة، تضاهي بقساوتها تلك الجسدية، وها هي اليوم ترفع الصوت عبر "التحري"، علّ الجريمة توقظ مجتمعاً يغفو في حضن الذكورية، ويساوي بين نسائه بـ"المظلومية"!

ولم تكن ابنة الـ38 عاماً، والأم لأربعة أولاد، تدرك عندما كانت تساعد زوجها مهنياً، أنها كانت عن غير قصد تنمّي "الوحش" الذي بداخله، ذلك الذي يليق به المثل "بيعضّ الإيد يللي بتنمدّله" بالمعنيين المجازي والحقيقي للكلمة. وخسارة الطبيبة لأحد أصابعها كانتقام للزوج من نجاح الزوجة، يأتي بعد سنوات من محاولة إيهامها بأنها تعاني مشاكل نفسية، وتهديدها بالمحكمة الجعفرية!

وبعد عشرة أيام على الحادثة التي هزت الهرمل، مسقط رأس الطبيبة التي هربت من منزلها مضرجة بدمائها في منزل العائلة في بلدة الفاكهة، كيف نجت الطشم من الموت بأعجوبة؟ وكيف قابل الزوج، "خير" زوجته، بـ"شرٍّ" وحقد دفينين، حوّلا طبيباَ يلد الأطفال من أرحام أمهاتهم، إلى مجرم يقتل زوجته بدافع الانتقام والغيرة؟

دقائق النجاة الحاسمة

وبعد عام على عيشها بعيدة عنه جراء تعنيفه الجسدي والنفسي الممنهج لها، عادت الطشم لمنزل العائلة لأجل أولادها الأربعة. ثلاثة أسابيع عاشتها "بحذر"، وكانت كافية لاكتمال فصول الجريمة في رأس الطبيب، الذي يمتهن وزوجته، ذات المهنة.

وفي تفاصيل الجريمة، فقد دخل المعنّف على زوجته ووجدها تعاني من ارتفاع في الحرارة وتأخذ إبرة لخفضها، فصوّرها واحتفظ بالفيديو، في محاولة للإيحاء لاحقاً بأنها تأخذ جرعة دواء أعصاب وتعاني من اضطرابات نفسية.

وبآلة حادة تعرض لزوجته بالضرب لا سيما على أصابع يديها، فالطبيبة النسائية التي تلد الأطفال بيديها، كانت يداها أكثر ما يستفز زوجها الذي يشعر بتفوق زوجته مهنياً. في السياق تقول "كان يغار من فكرة انتاجي أموالا تفوق انتاجه، وكنت كلما أعطيت لعائلتي كأي زوجة تعطي معنويا وماديا وتضحي في سبيل العائلة وتمكينها، كانت نقمته عليّ تشتد حدّة"!

هذا الواقع تجلى بقول المُعنّف لحظة ضرب يديها عبارة "هول الأصابع اللي بتطلعي منن مصاري بدي كسّرلك ياهن". والشعور بالدونية أمام الزوجة- ولا ذنب لها في شعوره بالنقص ولا ذنب لها في نجاحها مهنياً- يرافقه الطمع المادي، الذي جعله يضع المسدس برأسها محاولاً أن ينال توقيعها تحت تهديد للتخلي عن كافة حقوقها في املاكها وكذلك في حضانة أولادها.

أما أن يقول لها "هلا انتي بتاخدي السلاح وبتقوصي حالك"، فكان بغية تصويرها تقتل نفسها تحت التهديد، للقول انها انتحرت بعد موتها، ودوما وفق اللعب على وتر الإيحاء لها -وللمجتمع من بعد موتها- أنها مريضة نفسياً.

وتعرضت الطشم "للضّرب المبرح مع كدمات ظاهرة في فروة الرأس وفي سائر أنحاء الجسم وتورم في الصدر والبطن والقدمين وخلوع في أصابع اليد نتيجة الضرب بآلات صلبة". وفق تقرير الطبيب الشرعي، فكانت تنزف دماً عندما حاولت التمويه في محاولتها الهرب من المنزل قبل أخذ توقيعها على الأوراق التي حضرها زوجها، فقامت على الرغم من ألمها بإعطاء أولادها دواءهم نظراً لمعاناتهم من الحساسية، لإيهام الوالد أنها غير مستاءة من جريمته ولن تحاول الفرار من تعنيفه لها".

وفارق الثواني هذا كان كفيلاً بنجاتها، لتهرب إلى الجيران بثياب النوم وأقدام عارية والدماء تملأ ثيابها. وترقد بعدها في المستشفى، وسط جروح جسدية بالغة، وجروح نفسية أكثر عمقاً وتجذراً وقساوة!

وبقي الزوج متوارياً عن الأنظار يومين، قبل أن يسلّم نفسه للأجهزة الأمنية حيث أنكر كل ما نسب إليه. ليعرض على المحققين الفيديو المصوّر لزوجته وهي تحقن نفسها، زاعماً أنها كانت تأخذ أدوية أعصاب، وأنها غادرت المنزل قبل تعرضها للضرب، وأنه لا يعرف شيئاً عن إصابتها.

وعزة الطبيبة المحبوبة من أهل الهرمل، لاقت تضامنا كبيرا من اهالي منطقتها، رفضاً لما حل بها، وكان يمكن الا يحصل هذا التضامن لو كانت امرأة أخرى معنفة، غير معروفة في بلدتها.

وللمفارقة، فإن الزوج بدأ التخطيط لجريمته، قبل سنوات من الجريمة، عبر اللعب على الوتر النفسي لضحيته، بعبارات يصعب على ذاكرة الطشم نسيانها...

ترهيب ممنهج!

وظل الزوج المعنّف لسنوات يحشو برأس زوجته فكرة أنها "مختلة نفسياً"، لا بل اقترح مراراً عرضها على طبيب نفسي، في تخطيط ممنهج لتدمير نفسيتها. في الإطار تقول "كل هذا بهدف التخلي عن أملاكي ليقول انني مجنونة وللتخلي عن حقي بحضانة أولادي كذلك".

وتفوّق الزوج على نفسه بحسده المهني، هنا يقول أحد المقربين من العائلة "أخذها امرأة عاملة، فإذا به يشترط عليها ترك عملها للعودة للمنزل لأجل أولادها، لا بل أكثر من ذلك، اشترط عليها تحويل مرضاها اليه لمعالجتهم، في محاولة للتعامل معهم كمصدر للمال، لا كحالات انسانية".

وعن عودتها الأخيرة للمنزل، تقول الطشم "حاولت أن أكون أماً مثالية، اعطيته أولاداً مثل القمر، وكنت زوجة مثالية، لأنني مؤمنة بذلك، ولم أرد أن أقصر كشريكة عاطفية ولا بالأمومة، وأعطيت منزلي كل ما أستطيع وحاولت تحصينه بكل شروط السعادة"، و"كنت السند لزوجي عاطفيا واجتماعيا ومهنياً، لا بل أنني سعيت في عدة مؤسسات عملت بها، إلى توظيفه معي وهذا ما شكل له انطلاقة مهنية"، معلقة بأسى "وما جزاء الإحسان إلا الإحسان، فإذا به يقابلني بالانتقام من حسن نواياي".

ولم تكن المرة الاولى التي يضربها فيها، لكنها كانت الأعنف، وأعنف منها، سنوات من الإهانات اللفظية. في الإطار تقول "ضميري مرتاح كأم فقد أعطيته فرصاً كثيرة وتعرضت لكل هذه المظلومية والقسوة"، لكن أسفي أنه "في الوقت الذي تكون فيه المرأة قدمت وضحت في سبيل زوجها، تلاقيه يبادلها بالأذى".
وعن الغيرة بنكهة الشر بداخله تجاهها، تقول "لم يكن ما يفعله بحقي لسنوات تعنيفاً لفظياً بل ترهيباً معنوياً لفظياً هدف من خلاله للتأثير على عملي ومهنتي في الوقت الذي كنت أنا أسهّل عمله"، لكن للأسف كل هذه التقديمات بنية طيبة، لم تزده إلا لؤماً، و"إذا أكرمت اللئيم تمردا".

غياب المساواة... والتهديد بالمحكمة الجعفرية!

ومع أنه طبيب، لم تكن مهنته الإنسانية رادعاً لأفعاله المشينة وتفكيره الذكوري الذي يلقى له تجذراً في المجتمع، هو الذي هددها مراراً بالمحكمة الجعفرية وقوانينها للنيل من حقوقها. وتعلق الطشم بالقول "كان يقول لي لا فواتير بين يديك ولا تستطيعين اثبات شيء والشرع معي وانت لا شيء وأنا رح اعملك مريضة نفسياً وأحرمك من الحضانة وكل حقوقك"، مؤكدة أنها "كلها تهديدات مثبتة بالدلائل والوقائع".

وتتمنى على المجتمع بما فيه "الفئات المهمشة والطبقات الفقيرة التي ظلمت في الانهيار الحالي، ان تعرف بأنه حتى الطبيبة تتعرض مثلها مثل أي امرأة في مجتمع ذكوري"، مضيفة "أنا كنت ضحية لكنها فترة وتخطيتها، فيما أخريات قد تفقدن حياتهن أو تعشن ضحايا لفترة طويلة".

من هنا، تدعو "لمحاربة البشاعة والهمجية والوحشية في التعاطي مع النساء، فكل نساء لبنان معرضات للإستقواء عليهنّ بالعنف وبالأعراف البالية لمجتمع مريض وكل النساء من الطائفة الشيعية معرضات لتهديدهن بالمحكمة الجعفرية". ومع أنه "في هذا البلد ابسط الامور لا يتم حلها، لكن علينا ألا نفقد الأمل، فكلما خطينا خطوة ضد العنف المنزلي ضد النساء، نكون بصدد حل جزء من المشكلة بالتعاون بين بعضنا".

والطشم لا يرد حقها قرار قضائي منصف وحسب، فمحاسبة الزوج وحدها لن تكون كافية طالما أنه في لبنان من يشبّه المرأة بـ"سيارة الفيراري" ويسلّعها، وطالما ان لا قانون احوال شخصية موحد، وطالما ان لا مساواة أمام القانون مع الرجل بحقوقها. وفي حين ارتفع التعنيف الأسري %100 جراء الأزمة الاقتصادية، لا بدّ من التنويه إلى أن رجلاً واحداً على الأقلّ من أصل خمس رجال في لبنان يؤيّد العنف ضد النساء بحسب دراسة للأمم المتحدة. في حين شاء القدر ألا تكتمل فصول الجريمة، فتنجو الطشم، لكن من يضمن نجاة الضحية في الجريمة القادمة؟

الأكثر قراءة