حقائق مرعبة بعد اكتشاف دار "التعذيب" للمسنين سانتا ماريا: المراقبون الصحيون تستروا لسنوات

التحري | | Saturday, November 13, 2021 10:19:31 PM

سارة الخنسا - التحري

لا تنتهي معاناة نزلاء المسلخ البشري، مركز "سانتا ماريا" الصحّي في عنّايا الذي سرّب منه فيديوات أمس، المساعد الاجتماعي عفيف شومان، حيث تظهر انتهاكات مرعبة لمرضى ومسنين، لحظة زيارة وزيري الصحة والشؤون الإجتماعية كما يتصوّر البعض. بل ستطارحهم أشباح الحاضر القريب الناجم عن آثار تعذيبهم نفسياً وجسمانياً، "أكلاً وشرباً" داخل زنازين "الاعتناء بهم" وهو ما انطبع حتماً في ذاكرتهم الجماعية ورُسم مرضاً خطيراً يلازمهم مهما حيوا قلقاً وانطوائية، لدرجة ستعيق اندماجهم مجتمعياً وتضغط على محيطهم.

66 مريضاً، يعاني معظمهم سوء التغذية، بينما تنتشر الجراثيم والبراغيث والحشرات في كل زوايا المبنى، حتّى في الطعام. سكت عن سوء معاملتهم العديد من المراقبين الصحيين الذين كانت تقاريرهم (قبل تسريب الفيديوات) بحسب المكتب الإعلامي لوزير الصحة، "التي يرفعها المسؤولون المعنيون في الوزارة، إثر زياراتهم التفقدية، تعكس استمرارية العمل والقدرة على تأمين الحاجات" أي بلغة أصحّ "تقارير كاذبة، لا توصل الصورة الحقيقية للوزارة" وبالتالي هناك إهمال وتخاذل واضح من هذه الناحية.

كل ما كان يحتاجه الأمر هو "شخص واحد بضمير يرفع الصوت" كي يتم انقاذ ما تبقى من أرواح هؤلاء المعذّبون كما لو أنهم في معتقل لا في دار عناية.


زيارة "عنظافة"!

شعرت للحظات أن الكورونا نعمة؟! أو ربما نعمة هي الكمامات كي لا يشتم المتجولون في المركز رائحة البول المركزة في فرش النوم المرمية بقذارة على الأرض.
بالطبع عند تفقد وزير الصحة العامة الدكتور فراس الأبيض ووزير الشؤون الاجتماعية هكتور حجار مركز سانتا ماريا الطبي في منطقة راس اسطا - قضاء جبيل، كان الوضع أرتب عن ذي أمس، "وأخيراً كنّسوا، شالوا الزبالات وشطفوا".

نعم، كان المشهد أفضل بقليل، إلا أن شيئاً لن يحذف من ذاكرة اللبنانيين مشاهد الهياكل العظمية، وحقيقة ربطَ عددٍ من "أسرى المركز المتروكين طبياً" بأسرَّتهم، بواسطة الحبال، ناهيك عن وفاة كثر، بحسب شومان.

اطلع الوزيران ضمن جولة خلت حتى من تأنيب القائمين على هذه المشرحة، على أوضاع المرضى النفسيين الذين يعالجون في المركز وما يتلقونه من "عناية مفترضة" وخدمات "مزعومة". كما شارك في الجولة، مدير دائرة العناية الطبية في الوزارة الدكتور جوزف حلو وفريق من خبراء مكتب منظمة الصحة العالمية في لبنان.

وقد أًرجع سبب التدني الكبير في الخدمات سواء من ناحية الدواء أو الغذاء أو النظافة وظروف العيش التي بدت بالغة في مأسويتها إلى "عدم استحصال الإدارة على المال" ومواجهة جوزيف حرب، مدير المركز، لـ"صعوبات" منعته من "تأمين الحاجات في ظل الأزمة المالية". تصريح جاء بمنتهى الوقاحة، مؤكدا أنه "لم يتلق المستحقات العائدة للمركز منذ بداية هذه السنة وقيمتها 900 مليون ليرة لبنانية ما يشكل عائقا كبيرا لتأمين الحاجات الأولية من مياه ومازوت وطعام". أمر لم يكلّف فيه نفسه رفع الصوت بل دفعه على ما يبدو لتحويل مركزه إلى "زريبة" لا تصلح لعيش أي كائن حي!

وفي ضوء كل ما ظهر للعلن من هياكل عظمية تجلس على أسرّة تتغلغل فيها الأوساخ، لا يؤمَّن لها الطعام، وما توفر من خبز أكله العفن. مكان تبيّن انه لا يراعي أدنى مقومات النظافة أو المعايير الصحية. لا مرحاض أو مكانا للطهي في المكان الذي تملؤه الحشرات.

وبعد التشاور بكل "رقي" وهدوء وعقلانية، فيما كانت المشاهد قاسية حد القشعريرة والمعلومات المسرّبة من شومان أوضحت بأنهم قد تعرضوا جميعاً للعنف الجسدي والضرب إلى أن ظهرت عليهم علامات سوء التغذية وقلة الحيلة، أعلن الأبيض "اتخاذ القرار بنقل المرضى إلى المركز الثاني التابع لسانتا- ماريا في منطقة حالات والذي يتمتع بظروف أفضل من مركز رأس أسطا، على أن يتم تأهيل الاخير في فترة سريعة إفساحا في المجال لإعادة المرضى إليه بعد التأكد من قدرته على استقبالهم" وفي هذا السياق، تفقد حلو مركز حالات، تمهيدا لإعداد المكان الملائم للمرضى قبل إتمام نقلهم بالتنسيق مع الصليب الأحمر اللبناني.

وعود بالمحاسبة... فهل تتحقق؟!

ليسوا أرقام. لم يجدوا مأوى لهم من الأذية. حقائق مرعبة تبدأ بإهمال المراقبين عكس الصورة الفعلية لأوضاع المستشفيات ومراكز العناية وتنتهي بمواطنين يعانون من سوء التغذية، إضافة إلى أمراض معوية أخرى حادة، نتيجة المياه القذرة التي يحصلون عليها.
كل ذلك لا يؤكد إلا أن لبنان على شفا كارثة تتعلق بالأمن الغذائي في عديد من المراكز الصحية المماثلة التي لم تدفع لها الدولة منذ وقت طويل.

وفي هذا الإطار أكد الأبيض في مؤتمر صحافي، أننا "لا نقبل بأن يكون المرضى ومصحاتنا ومستشفياتنا بهذا الوضع غير المقبول وغير المرضي على الإطلاق".

وأوضح أنه "سيعمل على تنفيذ خطة من شقين: الأول يتعلق بمتابعة مرضى سانتا ماريا والثاني يتعلق بمتابعة مجمل مستشفيات الفئة الثانية التي تهتم بالمرضى النفسيين والعقليين والذين يحتاجون إلى إعادة تأهيل لان بعض المشاكل ليس محصورا هنا، بل هو يتكرر في أماكن أخرى مشابهة".


وتابع: "إن خلفية الموضوع ترتبط بعدم تحويل أي مبلغ مالي لهذه المراكز عن مستحقاتها للعام 2021 بسبب التأخر في إنجاز العقود التي تنتظر تحويل الاعتمادات للدفع. وهذا ينطبق أيضا على مستشفيات الفئة الأولى والجمعيات ما يتسبب بمشكلة كبيرة".

وأشار إلى أنه "أثار الأمر مع كل من رئيسي الجمهورية ورئيس الحكومة لتسريع الحل، علما بأن المستحقات غير المسددة تحتسب على أساس السعر الرسمي للدولار أي ألف وخمسمئة ليرة لبنانية، في وقت أن الاكلاف مرتفعة جدا بدءا من سعر المازوت وما إلى ذلك".

وأوضح الأبيض أنه "ليس في معرض تبرير الوضع غير المقبول للمركز، بل تسليط الضوء على الواقع الصعب الذي تواجهه المستشفيات والذي يتطلب دعما لكي تتمكن من أداء واجبها".

ولفت إلى أن "فريقا من منظمة الصحة العالمية سيعمل مع مديرية العناية الطبية في وزارة الصحة العامة وبرنامج الصحة النفسية على إعداد تقرير لتحديد الواقع في كل مستشفيات الفئة الثانية، وتحديد الخطوط الرئيسية للمعالجة وفتح الباب لإمكان التمويل الخارجي".

كما، أعلن "فتح تحقيق لمحاسبة المسؤولين وتحديد أسباب وصول الوضع في مركز سانتا ماريا إلى ما وصل إليه من دون معرفة وزارة الصحة العامة التي يعود إليها واجب التأكد من أن مرضاها يعالجون في ظروف جيدة من دون أي تقصير"... وعود بالمحاسبة عهدناها سابقاً... فهل تتحقق هذه المرة؟!

الأكثر قراءة