كي لا تضيع الحقيقة القضائية في متاهات الالتباس... قرار القاضي حبيب مزهر تحتَ مِجهَر التشريح القانوني

التحري | | Saturday, November 13, 2021 3:03:18 PM

الدكتور المحامي هيثم عزُّو
عضو الدائرة القانونية لمجموعة الشعب يريد اصلاح النظام

بُغية وضع قرار القاضي حبيب مزهر الصادر في طلب رد القاضي نسيب ايليا عن النظر في طلب رد المحقق العدلي طارق البيطار في ميزانهِ القانوني لبيان الخلل فيه، لا بدَّ بدايةً من تصويب الواقعات المادية المتعلقة بالقضية الصادر بها في مرحلةٍ أولى ليُصار في مرحلةٍ ثانية الى تسليط الضوء على المخالفات القانونية التي اعتورَتهُ والتي يُستدَل منها على كونها مخالفات جسيمة وأخطاء عمدية.

أولاً- في تصويب الواقعات المادية الخاصة بالقضية التي وضع يده عليها القاضي مزهر

بتاريخ 26-10-2021 تقدم وكيل المدعى عليه في جريمة المرفأ الوزير أنطوان فينيانوس بطلب لرد المحقق العدلي المولج بالتحقيق الاستنطاقي فيها القاضي طارق البيطار، حيثُ سُجِّلَ هذا الطلب تحت الرقم ٦٩ / ٢٠٢١ وذلكَ لدى الغرفة الثانية عشرة من محكمة الاستئناف المدنية في بيروت والمختصة وحدها من بين الغرف المحكمة المذكورة بحسب قرار توزيع الأعمال بالنظر في طلبات رد القضاة والتي يرأسها القاضي نسيب إيليا.

بتاريخ 28-10-2021 تقدم مجدداً وكيل الدفاع عن المدعى عليه المذكور بطلب جديد لرد القاضي نسيب ايليا نفسه عن النظر في طلب رد المحقق العدلي في جريمة المرفأ وقد سُجِّلَ هذا الطلب الجديد برقم ٧٢ /٢٠٢١ وذلكَ لدى غرفة الرئيس نسيب ايليا الذي -وكما يُستدل من محضر ضبط المحاكمة الخاص بالطلب المذكور- عرضَ في اليوم التالي تنحيه من تلقاء نفسه عن النظر بهذا الملف الشخصي ورفع بالتالي الملف للرئيس الأول لمحاكم الاستئناف المدنية في بيروت القاضي حبيب رزق الله.

بتاريخ 2/11/2021 قررت محكمة الاستئناف المدينة برئاسة القاضي رزق الله قبول عرض تنحي القاضي نسيب ايليا عن النظر في طلب ردّه الشخصي لاستحالة قيامه بذلك كي لا يصبح الخصم والحكم في آن، اذ جاءَ في قرارها أنه لا يمكن للقاضي نفسه أن ينظر بطلب ردّه الشخصي عملاً بأحكام قانون أصول المحاكمات المدنية وعلى ضوء ذلك كلّفّ الرئيس الأول رزق الله وعلى محضر رد القاضي إيليا رقم 72 ومن أجل النظر فقط بطلب رد هذا الأخير قاضٍ آخر محل القاضي إيليا, حيثُ أُوليت هذه المَهمّة الخاصة الى القاضي حبيب مزهر الذي كُلِف بترؤُس الغرفة الثانية عشرة محل رئيسها القاضي إيليا للنظر بطلب رد هذا الأخير, المقبول تنحيه عن النظر بطلب ردّه الشخصي عن النظر بطلب رد المحقق العدلي.

بتاريخ 3/11/2021 وكما يُستدل على ذلك من مندرجات محضر ضبط طلب رد القاضي إيليا- عمدَ القاضي حبيب مزهر الى اتخاذ قرار اعدادي خاطبَ فيه قلم المحكمة التي كُلِّف برئاستها موقتاً وفيه يطلب منه ضم ملف دعوى رد المحقق العدلي غير المُكلّف بالنظر فيه والذي يحمل رقم 69/2021 للاطلاع عليه تمهيداً للبت بدعوى رد القاضي ايليا كما جاء في قراره المذكور، فعمدَ بالنتيجة القلم الى ضم الملف الثاني للأول انفاذاَ للقرار المذكور من ذات اليوم.

بتاريخ 4/11/2021 أًصدرَ القاضي حبيب مزهر المُكلّف فقط بدراسة طلب رد القاضي إيليا عن النظر بطلب رد القاضي بيطار -والذي عُين برئاسة الغرفة الثانية عشرة محل إيليا موقتاً لهذه الغاية فقط- وفي غرفة المذاكرة وبصورة منفردة أحادية الجانب وبدون أيّ اشتراك معه لأعضاء الهيئة الحاكمة وبعبارات ربط فضفاضة قراراً مستغرباً ومستهجناً ومريباً وعجيباً بالشكل والمضمون, تضمَّنَ تسعة بنود قضى فيها بسلسلة أمور وفاصلاً قبلها ومنفرداً بذات القرار بأمرين ذات طبيعة نزاعية, حيثُ اعتبرَ من ناحية أولى بأنَّ طلب الرد المذكور قد أصبح غير ذي موضوع وانَّ الغاية من طلب رد القاضي المذكور التي يرمي اليها طالب الرد قد تحققت بقبول تنحي القاضي المشار اليه وبمنعه بالتالي من متابعة النظر في دعوى رد المحقق العدلي القاضي طارق البيطار رقم 69.

وفي الوقت الذي هوَ فيه القاضي إيليا متنحي فقط عن البت بطلب رده الشخصي وليس عن البت بطلب رد المحقق العدلي.

واعتبرَ كذلكَ من ناحية ثانية أنّهُ أصبح بالتالي مُخوَّلاً بالبت بطلب رد المحقق العدلي في ظل تكليفه بترؤس الغرفة الثانية عشرة محل القاضي إيليا المطلوب رده وفي الوقت الذي هو فيه مُكلَّفٌ بترؤسها مُوَقتاً وللبت فقط بطلب الرد المتعلق بالقاضي المذكور رقم 72 وليس بترؤسها للأبد محله وفي كل الملفات الداخلة في اختصاص غرفة هذا الأخير ومُقرَّراً بالنتيجة وبتكليف من نفسه السير بدعوى رد المحقق العدلي بعد أن جرى ضم ملف هذه الدعوى المشار اليها لملف دعوى رد القاضي إيليا بقرار من القاضي حبيب مزهر وعلى أساس أنَّ الضم للاطلاع فقط كما جاء حرفياً في قراره المدوّن على محضر دعوى رد القاضي ايليا رقم 72 ليُحوِّل بذلك القاضي مزهر من بعد ذلك قرار الضم من أجل الاطلاع الى الضم من أجل البت, هكذا كما اشتهى واسترسل في اشتهائه وبمحض ارادته الصرفة والمنفردة -متجاهلاً وجود هيئة حاكمة معه- الى توصيف دعوى رد القضاة بأنها من فئة الدعاوى النزاعية غير الرجائية ولينتهي بعد ذلكَ الى تقرير تسعة بنود في قرارهِ.

تعلّقَ الأول فيها بوجوب ابلاغ طلب رد المحقق العدلي طارق البيطار من هذا الأخير للجواب عليه بعدما تسلَّلَ بمحض ارادته الى ملفه دون تكليف واستناداً الى تحليل سوريالي من وحي خاطره وغايته ليُقرِّر في البند الثاني بإشعار المحقق العدلي بوجوب التوقف عن متابعة النظر في التحقيق بدعوى المرفأ رقم 1/2020 لحين البت بطلب رده غير المُخوَّل تكليفاً بالنظر فيه والأهم اشعاره في البند الثالث قلم المحقق العدلي بإيداعه كامل ملف التحقيق الاستنطاقي في جريمة المرفأ للاطلاع عليه رغم كونه يعلم أنَّ هذا التحقيق هو سري ومحظّر قانوناً الاطلاع عليه تحت طائلة التجريم قبل صدور القرار الظني ورغم كونه يعلم -وهو الممتهن- أنّه بضم ملف التحقيق السري لملف دعوى الرد العلني سيصبح ملف التحقيق السري جزء لا يتجزأ من ملف دعوى الرد ويعطي بالتالي كافة الفرقاء في دعوى الرد حق الاطلاع على أسراره ورغم كونه يعلم أن قلم قاضي التحقيق الذي خاطبه لا يستطيع إيداع الملف لديه بدون اذن القاضي بيطار المغلولة يده بطلب الرد.

ليسَ هذا فحسب, اذ تابعَ القاضي مزهر التفرّد في تقرير ما يشاء وكيفما يشاء حيثُ قضى أيضاً في البند الرابع ابلاغ النيابة العامة التمييزية طلب رد المحقق العدلي بصفتها خصم أصيل في الدعوى المحالة على المجلس العدلي التي هي قيد التحقيق الاستنطاقي ليُؤكِّد بذلك وبدون تفويض صادر أصولاً اختصاصه للنظر بطلب رد المحقق العدلي وذلكَ بشروعه بهذه الاجراء وغيره الوارد في البندين الخامس والسادس الذي دعا فيهما الخصوم في دعوى رد المحقق العدلي الى مناقشة عدة مواضيع أهمها ما يستهدفه بشكل مباشر لجهة تكليفهم البحث في الاختصاص المكاني والنوعي لمحكمة الاستئناف المدنية برئاستهِ في النظر بطلب رد المحقق العدلي ليصل الى الغاية المتوخاة من هذه الخطوة والتي تستهدف قلب الاجتهاد والفقه المستقران على عدم صلاحية القضاء العدلي في النظر بطلب رد المحقق العدلي -بكونه قضاء خاص استثنائي نوعي غير خاضع قانوناً في كل ما يتعلق بشأنه للقضاء العدلي المحجوبة صلاحيته بكل ما يتعلق بشأن هيئات المجلس العدلي بما فيها المحقق العدلي- وتأكيده على حفظ الغاية بتقريره حفظ حق محكمته في البت بهذين الاختصاصيّن النوعي والمكاني وكل ذلك من أجل الوصول -وكما باتَ معروفاً ومتداولاً في الأروِقة الحقوقية- الى "التخريجة القانونية المُعلّبة مُسبقاً" للإطاحة بالمحقق العدلي الحالي عبرَ القول بأنَّ الأصول التي ترعى عمل المحقق العدلي هي قانوناً ذات الأصول المُطبَّقة على قاضي التحقيق العادي وخضوعه بالتالي للرد من محكمة الاستئناف المدنية التابع لها مكانياً اسوةً بسائر قضاة التحقيق -

هذا في الوقت الذي هوَ فيه محظور قانوناً اعتماد القياس والتفسير المُوسّع لقواعد قانون أصول المحاكمات الجزائية الناظمة للاختصاصات والصلاحيات الحصرية التي استقر عليها الفقه والاجتهاد الذي جسّد هذه المُسلَّمة بصورة حازمة في القرار الصادر بتاريخ 1/8/2007 عن محكمة الاستئناف المدنية الناظرة بطلبات الرد برئاسة القاضي سامي منصور في معرض التصدي لرد محقق عدلي- وذلكَ بعد إتمام تبادل الأوراق بين الخصوم في قلم محكمته سنداً للبند الثامن من قراره الذي قضى في بنده التاسع والأخير فيه بإبلاغه لمن يلزَم.

إزاء ذلك كلّهُ، كان لا بدَّ من وضع النقاط قانونياً على الحروف وتصويب الأمور موضوعياً بعدَ هذا الانحراف الجذري الذي أصابها وذلكَ بهذه الدراسة النقدية المتواضعة، توَسُّلاً لتحديد المخالفات القانونية التي تمخَّضت عن هذا القرار القضائي المُستهجن.

ثانياً- في تحديد المخالفات القانونية التي نتجت عن قرار القاضي مزهر

1- في المخالفة القانونية الأولى: التسلُّل بصورة غير مشروعة قانوناً من ملف قضائي الى ملف قضائي آخر بدون تكليف

ينجلي بوضوحٍ تام من قرار التكليف الصادر عن القاضي رزق الله أنَّ القاضي حبيب مزهر قد كُلِّفَ على محضر ضبط دعوى رد القاضي إيليا رقم 72/2021 وليس على محضر ضبط رد المحقق العدلي طارق البيطار رقم 69/2021 ولهذا الأمر دلالة قانونية بالغة الأهمية في تحديد موضوع التكليف المناط بالقاضي حبيب مزهر والآثار القانونية التي تترتب على تخطي حدود التكليف, اذ أنَّ محضر الضبط الدعوى الذي يحمل رقم 72 تاريخ 28/10/2021 مُحدَّد فيه صراحةً في مستهلّهِ شخص طالب الرد وهو الوزير فينيانوس وشخص المطلوب رده وهو رئيس محكمة الاستئناف المدنية في بيروت القاضي نسيب إيليا الذي عرضَ منطقياً تنحيه في ذات المحضر المشار اليه عن النظر بطلب رده الشخصي

لاستحالة قيامه بذلك بسبب تعارض تصديه لهذا الملف مع مبدأ حيادية القاضي, اذ لا يمكن قانوناً للقاضي أن ينظر أو يشترك في النظر شخصياً في ملف قضائي مدعى به عليه بدعوى ردِّه شخصياً والاَّ أصبحَ القاضي ايليا يحكم لنفسه ويصبح بالتالي الخصم والحكم في آنٍ معاً ولهذا السبب الجوهري قبِلت محكمة الاستئناف برئاسة القاضي رزق الله عرض التنحي المقدّم من القاضي إيليا وقررت تعيين وتكليف القاضي مزهر كبديل عنه لترؤُس الغرفة الثانية عشرة محلّه بُغية النظر بطلب رد القاضي إيليا المقبول تنحيه عن النظر بطلب ردِّه الشخصي.

ورغم أنَّ القاضي حبيب مزهر قد كُلِّفَ بترؤس غرفة القاضي إيليا من أجل غاية حصرية محدّدة مُستشفّة من عنوان محضر طلب الرد الذي جرى تكليفه بالنظر فيه, الاَّ أنَّ القاضي مزهر خلط اختصاصه بالملف المُكلّف به رقم 72 (والذي هو رد طلب القاضي إيليا) بالملف غير المُكلّف به رقم 69 (والذي هو رد القاضي بيطار), خالطاً بذلكَ الأباوات بالسماوات, باعتبار أنّهُ قد تم تكليفه بترؤس الغرفة الثانية عشرة محل القاضي نسيب إيليا من أجل النظر فقط في دعوى رد هذا الأخير والذي يُثبته رقم محضر ضبطها الخاص بها والمشار اليه والذي يقطع الشك باليقين على كونه مكلّفاً فقط في ملف محدد برقم معين دون غيره.

وانَّ لم يشير القاضي المُكلِّف رزق الله لهذا الأمر في معرض تكليفه للقاضي مزهر, اذ أنَّ ذلكَ لزوم ما لا يلزم في ظل حصول التكليف بمحضر دعوى رد القاضي إيليا وليس بمحضر رد القاضي بيطار, وهو الأمر الذي تجاهلهُ عمداً القاضي مزهر والذي اعتبرَ فيه عبثاً أنّه بمجرد تنحي القاضي إيليا عن النظر بطلب ردِّه الشخصي رقم 72 تكون غاية طالب الرد قد تحققت بمنع القاضي إيليا عن النظر في طلب رد المحقق العدلي طارق البيطار رقم 69 -وهو الأمر غير الصحيح بتاتاً قانوناً باعتبار أنَّ قبول عرض التنحي المقدَّم من القاضي المتنحي عن البت بطلب ردّه الشخصي لا يعني قبول حُكماً طلب الرد القاضي المتنحي المُقدّم من طالب الرد.

بل يعني تعيين قاضٍ آخر للنظر محل القاضي المتنحي بطلب الرد الشخصي لهذا الأخير وهو ما سنُوضّحه أكثر فأكثر في معرض التصدي للمخالفة الثانية في متن هذه الدراسة- مُتوصِّلاً بالمحصّلة الى اعتبار نفسهُ مُخَوَّلاً بالنظر في طلب رد المحقق العدلي طارق البيطار, هكذا وبدون أيَّة صلاحية قانونية أو أيّ تكليف قضائي له في هذا الشأن وواضعاً بالتالي -وخلافاً للقانون والأصول القضائية- يده على طلب رد المحقق العدلي غير المُكلّف به من القاضي رزق الله وبدءَ فوراً الشروع بإجراءات النظر بطلب رد المحقق العدلي بتكليفٍ مزاجي من نفسه, مُستنداً في ذلك الى تحليل عبثي منه لغاية في نفسه ومتجاوزاً بذلك حدود قرار تكليفه الصادر عن الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف القاضي رزق الله والذي لم يكلّفه سوى بالنظر في الملف رقم 72 (طلب رد القاضي إيليا) لصدور قرار التكليف على المحضر الخاص بهذا الملف, دون أن ينهض منه ما يشير أو يدلَّل على كونه أصبحَ مُكلّفاً بالبت في الملف رقم 69 (طلب رد القاضي بيطار).

والذي لو كانَ صحيحاً هذا الأمر لصدرَ قرار التكليف على محضر ملف رد هذا الأخير المشار اليه وهو الأمر الذي لا يمكن حصوله أصلاً قبلَ البت أساساً بطلب رد القاضي ايليا عن النظر بطلب رد المحقق العدلي وهكذا تسلَّلَ القاضي مزهر بصورة غير شرعية على هذا الملف الأخير ووضع يده عليه بصورة مُتعمّدة وغير أصولية وطلب "وعلى عينك يا أيها القانون الناظم لأصول التكاليف ونظام الاختصاصات وحدود الصلاحيات" ضم ملف التحقيق الاستنطاقي العدلي رقم ١/٢٠٢٠ الى ملف طلب الرد القاضي إيليا والمضموم اليه للاطلاع ملف رد القاضي بيطار رقم 69/2021 تحت ذريعة تنحي القاضي إيليا وتكليفه برئاسة الغرفة الثانية عشرة محل هذا الأخير, في الوقت الذي تمَّ تكليفه فقط بترؤس هذه الغرفة موقتاً للنظر بطلب رد القاضي إيليا على محضر رد هذا الأخير وليس لترؤس هذه الغرفة بصورة دائمة وفي جميع ملفات طلب الرد التي تنظر بها هذه الغرفة بما فيها طلب رد المحقق العدلي.

وخاصةً أنَّ القول بعكس ذلك يعني حرمان للأبد القاضي إيليا عن ترؤس الغرفة وصيرورتهِ بالتالي بلا أيّة مَهمَّة قضائية وبحُكم المستقيل من عمله وفي الوقت الذي هوَ فيه القاضي إيليا غير متنحي أصلاً واطلاقاً عن النظر بطلب رد المحقق العدلي الذي وضع يده عليه القاضي مزهر, بل فقط جاءَ تنحيه وبصورة صريحة عن النظر بملف ردّه الشخصي وفق ما أسلفناه أعلاه وبالتالي يكون القاضي مزهر قد أجازَ لنفسه وبتكليف من نفسه التعدي الساطع على اختصاص وصلاحية غيره من القضاة والمراجع القضائية في المهام الموكلة اليهم بحسب قرار توزيع الأعمال وحالاَّ محلهم في جميع مهامهم ومُنصِّباً نفسه بالبت في طلبات الرد الذين كانوا سيبتون فيها وكل ذلك لمجرّد تكليفه بترؤس غرفتهم موقتاً محلهم للنظر فقط بطلب محدد بذاته وذواته وعلى سبيل الحصر لاستحالة قيامهم بذلك لتعلّق الأمر شخصياً بهم.

وهو ما يعني بالنتيجة القانونية أنَّ القاضي مزهر قد اغتصبَ عِنوةً صلاحية ليست مُكرّسة له واختصاصاً غير مُخوَّلاً فيه, باعتبار أنّهُ -وعلى فرض أن شروط رد القاضي إيليا متوافرة في طلب الرد الخاص بهذا الأخير- فهذا الأمر لا يُخوِّل مع ذلك القاضي مزهر صلاحية البت بطلب رد المحقق العدلي غير المُكلّف أصولاً به, لكونه يتوجّب عليه بعد تقرير رد القاضي ايليا إعادة الملف الى مرجعه, أي الى القاضي رزق الله لتعين بدليل عن القاضي المردود والذي قد يكون القاضي مزهر أو غيره بحسب قرار التكليف الجديد الذي يصدر عن القاضي رزق الله في حينهِ.

خلاصة القول: يتبيّن جَلِياً من محضر ضبط المحاكمة الخاص بالملف رقم 72 (المتعلق برد القاضي إيليا) أنَّ الرئيس رزق الله كان قد كلّفَ القاضي مزهر فقط بترؤس الغرفة التي كان يرأسها القاضي إيليا لدراسة وبت طلب رد هذا الأخير الذي عرض تنحيه عن النظر فيه بكون الرد يطاله شخصياً وقبلت المحكمة تنحيه عن النظر بطلب رده الشخصي كي لا يصبح خصم وحكم في آنٍ معاً, في حين أنَّ القاضي مزهر قد عمدَ الى التصدي لملف رد المحقق العدلي وبدون تكليف قانوني من الرئيس الأول لمحاكم الاستئناف المدنية في بيروت القاضي رزق الله الذي خوَّله فقط وضع يده على ملف رد القاضي ايليا وترؤس موقتاً الغرفة الثانية عشرة محل هذا الأخير من أجل غاية محددة حصراً وليس ترؤسها دائماً ومن أجل النظر في كل ملفاتها بما فيها ملف رد المحقق العدلي والذي يحتاج للنظر فيه الى تكليف جديد خاص فيه من القاضي رزق الله والأهم بعد صدور قرار عن هيئة المحكمة مجتمعةً التي يرأسها القاضي مزهر تقضي فيه بقبول طلب رد القاضي إيليا عن النظر بطلب رد المحقق العدلي وهو الأمر الذي لم يحصل قَط.


2- في المخالفة القانونية الثانية: انتهاك الأصول القانونية المتبعة بطلب الرد بإعدام مرحلة من مراحل المحاكمة فيه

رغمَ اسهابنا في شرح في المخالفة الأولى عن عدم صلاحية القاضي مزهر عن النظر قانوناً بطلب رد المحقق العدلي طارق البيطار لعدم تكليفه أصولاً فيه من قبل القاضي رزق الله ومع ذلك لا ضيرَ من التصدي قانوناً لتحليل القاضي مزهر والذي آلهُ الى وضع يده على ملف رد المحقق العدلي.

وفي هذا الصدد يُبرِّر قرار القاضي مزهر صلاحيته الشخصية في التصدي لملف رد القاضي طارق البيطار بأنَّ القاضي إيليا كانَ قد عرضَ تنحيه وقبلت محكمة التكليف هذا التنحي وأنّه بذلكَ تكون الغاية من طلب رد القاضي إيليا التي يسعى اليها طالب الرد متحقِّقة لمنع القاضي إيليا عن النظر بطلب رد المحقق العدلي طارق البيطار في الملف رقم 69 (غير المُكلّف بالنظر فيه) وأنه بالتالي أصبح مختصاً للسير في هذا الملف الأخير لكونه قد كُلِّفَ بترؤس الغرفة الثانية عشرة محل إيليا (الذي حلَّ محله بترؤسها موقتاً فقط للنظر بطلب ردَّه الشخصي دون غيره).

وتعقيباً على ذلك سنعمد الى توضيح مكمن الخطأ الفادح الذي شابَ تحليل القاضي مزهر في نقطتيّن هاميتيّن: الأولى تنصب على كون القاضي إيليا لم يتنحَ اطلاقاً عن النظر بطلب رد المحقق العدلي، في حين تنصب الثانية على كون القاضي مزهر لم يبت اطلاقاً في طلب رد القاضي إيليا.

فعن النقطة الأولى، وكما هو واضح وجلي من محضر الدعوى رقم 72/2021 الوارد فيه التنحي، أنَّ القاضي إيليا كان قد تنحّى فقط عن النظر بطلب ردّه الشخصي دون غيره من طلبات رد القضاة الموجودة في غرفته بما فيها طلب رد المحقق العدلي، فكيفَ يكون بالتالي صحيحاً ما اعتبره القاضي مزهر أنَّ الغاية التي سعى اليها طالب رد القاضي إيليا عن النظر بطلب رد المحقق العدلي قد تحققت بهذا التنحي وأصبحَ بالتالي بنظرهِ القاضي إيليا ممنوعاً عن النظر بطلب رد المحقق العدلي رقم 69/2021 في الوقت الذي لم يتنحَّ القاضي إيليا عنه بتاتاً؟ ثمَّ هل يُعقل القول أنَّ تنحي القاضي عن النظر بملف محدد على سبيل الحصر يُصبح بالضرورة متنحياً عن ملف آخر؟

في الحقيقة، لو كانَ القاضي إيليا قد عرضَ وقُبِلَ تنحيه عن النظر بطلب رد المحقق العدلي لكانَ ما قاله القاضي مزهر صحيحاً، أمَّا أن يعتبر تنحي القاضي إيليا عن النظر بملف ردّه الشخصي يُصبح بالنتيجة مُتنحياً وغير صالحاً للنظر بطلب رد المحقق العدلي، فهذه خطيئة أكبر من خطأ.

أمّا عن النقطة الثانية، يتّضح جلياً أيضاً أنَّ القاضي مزهر لم يبت اطلاقاً في طلب الرد الخاص بالقاضي إيليا, بل قررَ الشروع بالبت بطلب رد المحقق العدلي غير المُكلَّف به, مُعتبراَ أنَّ تنحي القاضي إيليا عن البت بطلب رده الشخصي يصبح طلب رده غير ذي موضوع والغاية من طلب الرد متحققة ,خلافاً للقانون, باعتبار أنَّ تنحي القاضي عن البت بطلب ردّه الشخصي لا يعني اطلاقاً أنَّ الغاية من طلب ردّه عن النظر بملف آخر قد أصبحت مُتحقِّقة كما خلُصَ القاضي مزهر اليها لغاية في نفسه ولا يعني أيضاً أنَّ القاضي المتنحي عن النظر بطلب ردّه الشخصي قد سلَّمَ بردِّه عن النظر بطلب رد آخر من أجله يُطلَب ردّه شخصياً عن النظر فيه.

بل يعني هذا التنحي المُحدَّد طلبه السماح له بعدم النظر بطلب ردّه الشخصي لوجود مانع قانوني في هذه الحالة يحول دونَ اشتراكه في الحكم فيه ويوجب تعيين بدليل محلّه لينظر في هذا الرد الذي يطالهُ شخصياً وذلكَ بالبحث في توافر شروط رد القاضي المتنحي عن البت بملف ردّه الشخصي عن البت بملف رد قاضي آخر مازال في حوزته والذي تجمّدَ موقتاً بقوة القانون العمل فيه من قِبل المتنحي بطلب ردّه الشخصي وذلكَ لحين البت بطلب ردِّه أساساً.

وهو ما يعني بأنّهُ كانَ يقتضي على ضوء ذلك بالقاضي مزهر الذي حِلَّ تكليفاً محل القاضي إيليا للنظر بطلب رد هذا الأخير المتنحي عن النظر فيه- أن يعمدَ الى اصدار قرار يشرح ويُعلِّل فيه توفّر أـو لا شروط طلب رد القاضي ايليا وتقرير على ضوء ذلك بقائه أو لا صالحاً للبت بطلب رد المحقق العدلي الذي لم يتنحَّ عنه, لا أن يصبح الأمر تحويراً للواقع كما فعلَ القاضي مزهر الذي قفز عن مرحلة من مراحل المحاكمة في طلب رد القاضي إيليا -موضوع قرار التكليف- بعدم بتّه في أساسه لعدم بحثه قانوناً في مدى توافر شروط ردّه الشخصي من عدمها -والذي به فقط يتحقق البت بأساس طلب الرد- وكل ذلكَ من أجلِ أن يتسلَّل الى ملف رد المحقق العدلي غير المُكلَّف اطلاقاً به تحت مظلّة تنحي القاضي إيليا عن ملف شخصي وليس عن ملف المحقق العدلي وتحت ذريعة تكليفه بترؤس الغرفة الثانية عشرة محل القاضي إيليا, رغمَ أنَّ هذا التكليف الموقت جاء فقط على محضر دعوى رد القاضي إيليا رقم 72 ومن أجل النظر بطلب رد القاضي إيليا وهو الغاية الوحيدة واليتيمة لهذا التكليف.

عليه, يكون القاضي مزهر الذي لم يبحث في أساس طلب رد القاضي إيليا لعدم غوصه في توافر الشروط القانونية لرد هذا الأخير -وهو أمر بحاجة أصلاً لاجتماع هيئة المحكمة وليس بقرار صادر بصورة منفردة عن رئيسها في غرفة المذاكرة- يكون بذلكَ قد هضم حتماً وحُكماً المرحلة الأساسية في البت بدعوى الرد المُكلّف لغايتها وانتهكَ جهاراً الأصول القانونية الجوهرية المُتّبعة للبت بطلبات الرد, اذ كان يجب لِزاماً على القاضي مزهر البحث والتحري عن مدى توافر شروط رد القاضي إيليا المتنحي عن النظر بطلب ردّه الشخصي -لاستحالة اشتراك قانوناً هذا الأخير بهذا الأمر مع هيئة محكمته- وليس اعتبار أنَّ تنحي القاضي إيليا عن النظر بملف ردّه الشخصي تُصبح الغاية من طلب ردِّه عن النظر بطلب رد المحقق العدلي مُتحققة, باعتبار أنَّ تنحي القاضي ايليا المطلوب ردّه عن البت بملف ردّه الشخصي لا يعني أنَّ ردّه قد أصبح واقعاً قانوناً حُكماً.

وذلكَ لأنَّ تنحي رئيس محكمة عن دراسة ملف ردّه الشخصي يعني ما يعنيه اعرابه عن احلاله محله قاضٍ آ خر في رئاسة محكمته لدراسة طلب ردّه الشخصي كي يُبنى على ضوء ذلك نتيجة بقائه أو لا صالحاً للنظر بطلب الرد الذي من أجله يُطلب ردّه الشخصي وهو ما يعني بالتبعيَّة أنّهُ كان يجب على القاضي مزهر إجابة أو رفض طلب رد القاضي إيليا المكلّف بنظره وفقط وفقاً لتوافر أو لا شروط طلب الرد.

لا وفقاً لتنحي القاضي عن البت بطلب ردّه الشخصي وايداع من ثمَّ الملف المفصول فيه محكمة القاضي رزق الله الذي كلّفه بالبت بهذا الطلب فقط وبرئاسة غرفة القاضي إيليا لهذه الغاية على وجه التحديد فقط بايراد التكليف على محضر دعواها القضائية ولتبني على ضوء ذلك محكمة الرئيس الأول رزق الله المقتضى المناسب بحسب نتيجة القرار الصادر بطلب رد القاضي إيليا والذي امّا يبقى هذا الأخير مختصاً بالنظر بطلب رد المحقق العدلي في حال رد طلب ردّه الشخصي بقرار صادر عن الغرفة التي كلِّف برئاستها القاضي مزهر وامّا العكس في حال إجابة طلب ردهَّ الشخصي وتعين بنتيجة ذلك بدليل مكانه لتولي هذه المَهمَّة بتكليف جديد من القاضي رزق الله.

وهوَ الأمر الذي لم يحترمه قرار القاضي مزهر الذي كلّف فيه نفسه بنفسه للنظر بطلب رد المحقق العدلي غير المُكلّف بالبت فيه ودون البت أساساً في طلب رد القاضي إيليا المطلوب ردّه بسبب القفز عن مرحلة البحث بتوافر شروط رد هذا الأخير من عدمها وبالتذرع فقط بعرض هذا الأخير تنحيه والذي هو تنحَّى فقط عن البت بطلب ردّه الشخصي دون أن يتنحّى اطلاقاً عن البت بطلب رد المحقق العدلي الموجود بحوزته والذي يتنظر بشأنهِ نتيجة ما سيخلص اليه القرار الصادر بطلب ردّه الشخصي للسير به أو لإحجامه نهائياً عن ذلك اذا ما تقرر ردّه شخصياً عنه وبعد ثبوت توافر شروط طلب الرد أساساً بالبحث في موضوعها من قبل الهيئة الحاكمة مجتمعةً.

خلاصة القول، أنَّ عرض القاضي إيليا تنحيه عن البت بملف طلب ردّه الشخصي لا يعني أنَّ طلب ردّه أصبح واقعاً قانوناً وغير ذي موضوع قضاءً ولا يعني أن النتيجة التي يسعى اليها طالب الرد عن نظر المطلوب ردِّه بملف آخر قد تحققت دون التثبُّت من توافر الشروط القانونية للرد ودون البت أساساً بطلب الرد من قبل هيئة المحكمة مجتمعةً وهو ما يعني أنَّ القاضي مزهر قد أغفلَ مرحلة البحث في أساس طلب رد القاضي إيليا بتغافله عن البحث في مدى توافر شروط رد هذا الأخير من عدمها وهو ما يجعل من قراره فاقداً الأساس القانوني لتعارض الوقائع الخاصة بطلب الرد والتنحي مع النتيجة التي خلُصَ اليها ولاعتباره تنحي القاضي ايليا عن النظر بطلب ردِّه الشخصي بمثابة تنحي عن النظر بطلب رد المحقق العدلي الذي لم يتنحَ اطلاقاً عنه بل توقف موقتاً عن النظر فيه بقوة القانون ريثما يتم الفصل بالأساس من قِبَل هيئة المحكمة بطلب ردّه وفقَ ما تمّ ذكره آنفاً, والذي على ضوء نتيجة القرار الصادر فيه يُبنى على الشيء مقتضاه المناسب بشأن بقاء صلاحيته أو لا للنظر بطلب رد المحقق العدلي.


3- في المخالفة القانونية الثالثة: اختزال المحكمة في شخص رئيسها في قرارات تحتاج قانوناً في إصدارها للهيئة الحاكمة مجتمعةً

إذا كانَ يحق لرئيس الهيئة الحاكمة اتخاذ منفرداً بعض القرارات التي تتعلق فقط بإدارة الملف القضائي دون حاجة لاشتراك هيئة المحكمة معه في ذلك، الاَّ انَّه بالتأكيد لا يحق لهُ الفصل في أمور ذات طابع قضائي غير اداري بإرادته المنفردة تحت طائلة اعتبار القرار أو بعض بنوده الواردة فيه والتي تحمل هذا الطابع باطلة حُكماً بقوة القانون لصدورها غير المكتمل عن كامل قضاة الدائرة القضائية، خلافاً لأحكام قانون أصول المحاكمات المدنية.

وفي هذا الصدد، لم يستشعر القاضي مزهر اطلاقاً الحرج بتجاهل زملائه من هيئة المحكمة معه واختزالها بشخصه منفرداً بإصداره في قراره الأم عدة بنود بمثابة قرارات فرعية تدخل في صلب صلاحية واختصاص هيئة المحكمة مجتمعةً ولا يمكن اطلاقاً اصدارها قانوناً بقرار منفرد من رئيسها; فعلى سبيل الذكر, نرى أنَّ من الأمثلة التي خالف فيها القاضي مزهر في قراره موضوع التعليق هذا الأمر الجوهري المشار اليه حالة توصيفه قانوناً دعوى رد القضاة بأنها من فئة الدعاوى النزاعية غير الرجائية ومناقشته في القانون بشأنها وهذه مسألة قانون محض والقرار الصادر بشأنها هوَ ذات طابع قضائي ولا يندرج اطلاقاً ضمن فئة القرارات الإدارية الصرفة والذي يحتاج لاعتباره قانونياً صدوره عن المحكمة التي يرأسها مجتمعةً.

وهو حال كذلك الأمر قراره بضم ملف رد المحقق العدلي رقم 69 لملف رد القاضي إيليا رقم 72 للسير بهما معاً من أجل البت بهما, باعتبار أنَّ هكذا قرار ذو الأثر القانوني يقتضي مذاكرة كامل أفراد الهيئة مجتمعةً فيه وبالتالي فأنَّه اذا كان قرار ضم ملف للاطلاع فقط يدخل في صلاحية رئيس الهيئة كتدبير اداري, الاَّ أن تقرير ضم ملف قضائي لآخر للنظر والبت بهما معاً يدخل في صلاحية الهيئة مجتمعةً, وذلكَ لأنَّ الضم للاطلاع يختلف في أثره القانوني عن الضم للبت حيث يدخل القرار حينها في مسألة قانونية ذات طابع نزاعي غير إداري قَط.

ومنَ الملاحظ في هذا الصدد أيضاً أنَّ القاضي مزهر كان قد اتخذَ بدايةً بتاريخ 3/11/2021 على محضر ضبط دعوى رد القاضي إيليا رقم 72 المُكلّف بالنظر فيها قراراً قضى فيه بضم ملف دعوى رد المحقق العدلي القاضي بيطار رقم 69 الى الدعوى المُكلّف بنظرها وذلكَ للاطلاع فقط كما جاء في قراره المذكور, لينقلب على ذلك في مرحلة لاحقة وبمشيئته المنفردة بقراره الصادر بتاريخ 4/11/2021 في دعوى رد القاضي إيليا والذي حوَّلَ فيه قرار الضم من أجل الاطلاع على الملف المضموم الى الضم من أجل البت في الملّف المضموم وبدون اشراكه هيئة المحكمة معه في ذلك وبدون تكليف بالبت في هذا الملف من القاضي رزق الله.

زد على ذلك، أن القاضي مزهر انتهكَ في هذا الشأن بديهيات العمل القضائي المُكرّسة والمستقرة اجتهاداً والآيلة الى على عدم جواز اتخاذ أي اجراء أو تدبير في أي ملف قضائي مضموم للاطلاع أو مازالَ موجوداً في حوزة قاضٍ آخر وخاصةً أنَّ ضم ملف قلمياً الى ملف آخر يبقى غير كافٍ لإنتاج مفاعيل قانونية اذا لم يقترن بصدور قرار عن المحكمة مجتمعةً بضم الخصومات والسير بها معاً وهو اجراء ضروري يتم بإبلاغ صورة عن قرار الضم الى الفرقاء ليتيح لهم حق مناقشة المسائل القانونية والطلبات المقدَّمة في الملفات المضمومة أصولاً وذلكَ لأنَّ حق الدفاع لا تتأمَّن مراعاته الاَّ بعد هذا التبليغ لقرار الضم والامهال للجواب وفقاً للأصول, على ما أكّدت عليه محكمة التمييز المدنية مراراً وتكراراً كان آخرها بقرار غرفتها الرابعة رقم 4 تأريخ 25/6/2015.

خلاصة القول، انَّ القاضي مزهر تجاهلَ عمداً وجود هيئة قضائية معه في المحكمة الاستئنافية التي كُلِّف برئاستها للنظر بطلب رد القاضي إيليا، فاستباحَ القانون باتخاذه قرارات تحتاج حُكماً في صدورها لتواقيع أفراد الهيئة مجتمعةً معه التي اختزلها بشخصه منفرداً سواء لجهة تقريره الضم للبت النزاعي أو لجهة وصفه القانوني لطلب الرد القضائي، عدا عن عدم التزامه في هذا الشأن بحدود الاطلاع الذي كان قد قرره بدايةً بشأن الضم على محضر ضبط دعوى الرد.


4- في المخالفة القانونية الرابعة: تشويه معطيات قرار التكليف وعرض التنحي بتحويرها وإيرادها على عكس حقيقتها لاختلاق صلاحية شخصية في ملف غير مُكلّف فيه

انَّ قرار القاضي مزهر الذي توصَّلَ فيه الى اعتبار نفسهُ مُخوّلاً بالفصل في طلب رد المحقق العدلي رقم 69 -في الوقت الذي هوَ فيه مُكلّفٌ فقط بقرار القاضي رزق الله بالبت في طلب رد القاضي إيليا لورود التكليف على محضر ضبط الدعوى الخاصة بهذا الأخير رقم 72- مُستنداً في ذلك الى كونه كان قد كلّفَ بترؤس الهيئة الثانية عشرة محل القاضي إيليا والى كون هذا الأخير قد عرض تنحيه المقبول من المحكمة المُكلِّفة -في الوقت الذي هو فيه مُكلّفٌ فقط بترؤس موقتاً الغرفة المشار اليها محل القاضي إيليا للنظر فقط بطلب رد هذا الأخير الذي تنحى موقتاً عن رئاستها في دعوى ردّه الشخصي فقط وليس في كل ملفاتها بما فيها حُكماً وحتماً ملف رد المحقق العدلي- يكون بذلك القاضي مزهر قد شوَّه مضمون وموضوع قرار تكليفه ومضمون وموضوع عرض تنحي القاضي إيليا المطلوب ردّه شخصياً وذلك بتحوير سياق التكليف وسياق عرض التنحي في آنٍ معاً من أجل الوصول الى غايته الآيلة الى تنصيب نفسه مختصاً بالبت في ملّف غير مُكلّف قانوناً بالنظر فيه وغير مُتنحّى فيه من القاضي إيليا المطلوب رده عنه.

خلاصة القول, ان القاضي مزهر عمد الى تشويه مستند قرار التكليف وعرض التنحي وهو تشويه ساطع وثابت لإيراده في قراره سياقهما ووقائعها على غير حقيقتهما وبصورة مُغايرة للمعنى الواضح والصريح لهما ولموضوعها وبشكل أثَّرَ في النتيجة التي خلُصَ اليها في قراره المستهجن الذي اعتبرَ فيها أنه على أثر تكليفه بترأس الغرفة الثانية عشرة محل القاضي نسيب ايليا المتنحي عن البت بطلب ردّه الشخصي يُصبح مُخوَّلاً بالسير في طلب رد المحقق العدلي طارق البيطار رقم 69, رغمَ كونه مُكلَّفاً موقتاً بترؤس هذه الغرفة للبت فقط في طلب رد القاضي إيليا رقم 72 وذلكَ جلي في محضر رد هذا الأخير الذي عرض تنحيه فيه عن النظر بطلب بتعلق بأمره الشخصي دون غيره من الملفات والذي قَبلتَ محكمة القاضي رزق الله تنحيه عنه كي لا يصبح ناظراً في طلب ردّه الشخصي كحكم وخصم في آن, بما يجعل من حدود عرض التنحي وقبوله محصورة فقط بهذا الملّف دون امتدادها لملف رد المحقق العدلي الذي لا يحق للقاضي مزهر مد يده عليه في ظل وجوده بحوزة القاضي إيليا غير المتنحي عنه وفي ظل عدم إجابة طلب ردّه عن النظر فيه بقرار من هيئة المحكمة التي ترأسها مزهر موقتاً لهذه الغاية وفي ظل عدم وجود تكليف من الرئيس الأول الاستئنافي للقاضي مزهر بالبت في هذا الملف وانحسار تكليفه له بمحضر رد القاضي إيليا فقط.


5- في المخالفة القانونية الخامسة: محاولة انتهاك سرية التحقيق الاستنطاقي بطلب ضم ملفه لملف الرد العلني

على فرض التسليم جدلاً أنَّ القاضي مزهر مكلّفٌ قانوناً وأصولاً بالبت بدعوى رد المحقق العدلي طارق البيطار -وهو أمر ننفيه ولا نقرَّ بتاتاً فيه- فأنّهُ مع ذلك لا يخوّله هذا التكليف قانوناً الاطلاع على ملف التحقيق الاستنطاقي بجريمة المرفأ رقم 1/2020 الذي قرر ضمه لملف دعوى الرد وذلكَ أقلّهُ لسببيّن وجهيّن قانونيّن: السبب الأول, لأنه يستطيع بكل بساطة الفصل بدعوى الرد دون حاجة للاطلاع على مضمون التحقيق الذي يجريه المحقق العدلي المطلوب ردّه, اذ يمكنه الاستناد في هذا الصدد فقط لادلاءات الخصوم في دعوى الرد واللائحة الجوابية الدفاعية عليها من القاضي المطلوب رده; السبب الثاني -وهو الأهم- انَّهُ يوجب سبب قانوني هام يحول دون حقه بالاطلاع على التحقيق الابتدائي في الجريمة موضوع الملف الموجود بحوزة المحقق العدلي, باعتبار أنّهُ يعرف بأنّه سري ومحظّر قانوناً الاطلاع عليه من غير القاضي المخوّل بالتحقيق فيه حفاظاً على سريّتهِ التي حماها قانوناً المشترع الجزائي المادة 53 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والمعطوفة بدورها على أحكام المادة 420 من قانون العقوبات وهي السرية التي تُقتَل حتماً بالاطِّلاع والافشاء.

فتكون بالتالي مثابرة القاضي مزهر على اصدار قرار يفضي الى اطِّلاعه على هذا التحقيق العدلي رغم عدم اختصاصه فيه ورغم علمه اليقيني بجرمية هذا الفعل -بكونه قاضٍ ممتهن للقانون- بمثابة محاولة لانتهاك سرية التحقيق والتي اكتملت وتجلّت بطلبه في قراره الذي قضى فيه بضم كامل ملف التحقيق العدلي السري بجريمة المرفأ الى ملف دعوى الرد العلني والذي استهدف فيه بشكل مباشر فيه الاطلاع على ما هوَ مُحظّر كشفه وافشائه من تحقيق سري قبلَ صدور القرار الظني وخاصةً أنه يعلم أو كانَ يجب أن يعلم أنَّ قراره بضم ملف التحقيق لدعوى طلب الرد سيجعل حتماً من ملف التحقيق السري قانوناً جزءاً لا يتجزأ من ملف دعوى الرد وهو ما سيوفِّر بالنتيجة لجميع فرقاء دعوى الرد حق الاطلاع عليه واستنساخه وخرق سريته وتسريبه, تمهيداً لنسف التحقيق برمّته عبر تأويلات قانونية مغلوطة عديدة ستستهدف بشكل مباشر زعزعة ثقة الرأي العام به وخاصةً في ظل هذا التوتر والضغط السياسي بشأنه.

خلاصة القول، أنَّ القاضي مزهر كان بإمكانه الفصل بدعوى رد المحقق العدلي فيما لو كان مُكلّفاً أصولاً بالفصل فيها دونما حاجة للاطِّلاع على التحقيق الاستنطاقي الذي يجريه المحقق العدلي وبالاكتفاء فقط في هذا الشأن بأسباب الرد المدلى بها من قِبَل طالبه وبدفاع القاضي المطلوب ردّه عليها، لا أن يطلب -ودون أيَّ جدوى قانونية ذات شأن تفيد طلب الرد- ضم ملف التحقيق العدلي السري الى ملف طلب الرد العلني للوصول الى الاطِّلاع على ملف التحقيق الاستنطاقي المُحظّر قانوناً الاطلاع عليه من قِبَل الغير, أيًّا يكن الغير غير المختص بالتحقيق.

نخلص الى الجزم، انَّ قرار القاضي حبيب مزهر بوضع يده على ملف رد المحقق العدلي القاضي بيطار والذي آلَ عبثاً وبصورة غير مشروعة الى كف يد هذا الأخير عن متابعة النظر في التحقيق الاستنطاقي هو قرار منعدم الوجود قانوناً لصدوره عن مرجع قضائي غير ذي صفة للنظر بطلب رد المحقق العدلي, في ظلّ انحسار تكليف القاضي مزهر فقط بطلب رد القاضي ايليا دون غيره وترؤسه الغرفة الثانية عشرة محل هذا الأخير لهذه الغاية فقط دونَ غيرها وهو ما يعني أنّه تجاوز بصورة فاضحة في قراره حدود صلاحياته وانتهكَ كذلك الأمر فيه بصورة صارخة الأصول القانونية المتّبعة للبت في أساس طلب الرد بالغوص في توافر شروط الرد وتشويهه معطيات اختصاصه الشخصي بتحويره في قراره مضمون عرض تنحي القاضي المُكلّف بدراسة طلب ردّه الشخصي وبتحويره أيضاً سياق قرار تكليفه المُناط بموضوع ملف معيّن على وجه الحصر بإيراد التكليف في محضر ضبط هذا الملف دون غيره والتفافه عليهما بتحليل غير قانوني عبثي لاختلاق صلاحية شخصية له غير موجودة قَط للنظر بطلب رد المحقق العدلي غير المُخوَّل تكليفاً به.

انَّ هذه «الخبصة القضائية» الناتجة عن قرار القاضي مزهر الذي خلطَ فيه الحابل بالنابل بخلطه أوراق ثلاثة ملفات قضائية ببعضها البعض بدون مسوَّغٍ مشروع (ملف رد القاضي إيليا رقم 72/2021 وملف رد القاضي بيطار رقم 69/2021 وملف التحقيق العدلي رقم1/2020) ليست مجرّد أخطاء فادحة في شأن إجرائي هام فحسب، بل هيَ مخالفات قانونية جسيمة في مسائل نزاعية أيضاً ترتبط بقضية وطنية كبرى ذات شأن عام وهام تمّ بسببها عرقلة سير العدالة وتسويف الدعوى وشل التحقيق فيها واطالة بالتالي أمد المحاكمة وفي ظروفٍ بائسة وزمنٍ متردي يُعوِّل فيه الشعب اللبناني الذي باسمه تُلفَظ الأحكام على محاسبة قضائياً كل المتورطين فيها, انفاذاً لحكم القانون وتنفيذاً لمقتضيات العدالة.

الأكثر قراءة