في رثاء كاتب البُسطاء ومؤرخ الذاكرة الشعبية لبيروت إلى روح الصحافي خالد اللحام: وداعاً!

التحري | مريم مجدولين اللحام | Saturday, November 13, 2021 12:19:15 AM

مريم مجدولين اللحام - التحري
بورتريه وليد شهاب

لا نشفى من موت من نُحب، يسكنون تفاصيلنا، في سُمرة عيوننا، في عناق الوداع الذي لم نحظَ به. رحيلهم مُتعِب كما لو أن أحدهم تسلّل إلى ضجيج يومياتنا واغتنم انشغالنا ليسرق عامودنا الفقري. إسمه "خالد" كنتُ أظنه خالداً حقاً، حتى علمتُ أنه القلب وما يحتويه. وفي 17 من كانون الأول سنة 2016 خسرت الإذاعة اللبنانية والوكالة الوطنية اللبنانية وصحيفة اللواء وجامعة الإمام الأوزاعي الخاصة... أبي، وغيّب الموت زميلهم الكاتب والصحافي والمُحاضر "خالد اللحام".

لا يليق برحيله أسى، بل لا يليق به فقداناً من الأساس. ينطق الجميع "رحمه الله" بكل حيادية، وليس في موته رحمة لنا، نحن من تعلقنا بكتاباته وصوته الإذاعي ونقاشاته السياسية والثقافية وبحنان ما تركه خلفه من أثر.

العقاقير وحدها ما عادت تكفي. أحتاج أن أفهم كيف أستوعب موت ظلّ لم يمت فينا جميعاً بعد.
لم تقتنع أمي أنه قد توفاه ربها. تستيقظ كل صباح، تجهّز القهوة "معتوق، نص نص مع هال" فيما لا أحد منا أنا وإخوتي الثلاثة "يسرى، ميساء ونعمت" يشربها. يومياً تعيد سيناريو الهذيان هذا، تذوّبها ونستفيق على الرائحة المعهودة، تصبّها، تتركها إلى أن تبرد... وترميها. لا أدري لما تعتقد أن لرائحة القهوة علاقة بشذاه. أتمنى لنا ولكل من قرأ يوماً نصاً له أو سمع صوته عبر أثير الراديو أو حتى لفته للحظات، الانعتاق من أبدية حبه وعزاؤنا انه ترك ارثاً ضخماً من الاعمال الدرامية الراقية في التلفزيون والاذاعة والجرائد الورقية والكتب وهو الذي لم يحمل إلا شهادة الخامس إبتدائي أو "السيرتيفيكا".

دون سابق إنذار

ترددت جداً قبل كتابة هذه المقالة عن فقيدي النائم دون روح، الكاتب الصحفي المخضرم الراحل خالد اللحام، لما يخالجني من مشاعر غاضبة وناقمة على دولة لم تنصفه.

كما أنه لا يسعني وصفه بموضوعية أو "مهنية" لما استثمره فيّ من علم ووقت وما ضحاه من أجلي.

أكتب آملة من أن تخطو هذه الأحرف التي سيقرأها زملائي وأهلي والأصدقاء، على أرض جُبلت بدمائه، يقبع تحتها حبيس سجن من زجاج... يراني خارجه لكنه لا يمسّ سوى الجدار الفاصل فأتكئ في مشيتي عليه. تماما كما كنتُ في طفولتي، أقف على رجليه كي نرقص سوياً رقصة لا أخاف فيها خطأ الخطوات... يقودها هو.

ناجٍ من طفولة قاسية، من مواليد بيروت، المزرعة في 17 شباط 1954، يُتِّم فيها عن عمر صغير، باع خالد الصحف في "الداون تاون" أو سوق بيروت حينها، أما في ساعات الليل فعمل في معمل "تريكو" لرجل طيب، كي يؤمن قوت عيشه بعد أن حُرم الدراسة. فقد كان طفلاً نبيهاً و"شاطر" في المدرسة حتى ترمّلت والدته الأمّية ولم تستطع تسجيله في "الأول متوسط".

يومها، كان تلميذاً في مدارس المقاصد الإسلامية، وذهبت أمه إلى الزعيم السّني بطبيعة أحوال لبنان، "صائب سلام" المسؤول عن تلك المدارس، آملة العمل في المدرسة مقابل تعليمه أو حتى مطالبة بمنحه تخفيضاً ما نظراً لعلاماته المرتفعة وجديته في الدراسة فقال لها: "شو مُحمّد مات وورثني أُمّته؟"، كان نموذجاً رائعاً عن سياسيي هذا البلد.

نزل إلى الشارع وصار يعمل بكد لسنوات، يبيع الجرائد ويتصفحها دائما ويحتفظ بالمقالات التي تلفت نظره ويقلدها، ومن ثم يراقب التغيير فيها بين الرأي والرأي الآخر، ويجالس أخوه الكبير سعيد الذي يُتقن الكتابة ويحترفها، والذي استطاع اكمال تعليمه كونه كان كبيراً نسبياً عند وفاة الوالد، كما كان يأخذ كتب من هنا وهناك، ويتدرب على الإلقاء والتعبير مع زميله في العمل "أخوه الأصغر" سليم.

وفي يوم من أيام مراهقته... طرحت إحدى الصحف، "صوت العروبة"، مسابقة في الجريدة كي يكتب أحدهم مقالة عن الوضع الإقتصادي، وقرر المشاركة رغم صغر سنه، وكتب عما يشعره عندما يرى قطع الثياب التي يقوم بحياكتها في معمل التريكو في محلات بيروت الغالية ولا يستطيع ارتداءها، وكيف يقرأ كتباً ولا يستطيع تقديم امتحان فيها، كيف يقرأ الانكليزية والفرنسية بطفولة لأن أحداً من محيطه لا يأبه لقراءتها، ولا تتردد على مسامعه ليحفظ نغماتها إلا قليلاً، وكيف لم يُعط خياراً ولم يعرف حضناً سوى الكلمات وعلى الرسالة كتب أن عنوانه شارع فلان في كل صباح الساعة الفلانية من الفجر أبيع جريدتكم. هذا المقال، نقله من شخص يبيع جرائد لشخص يكتب في الجريدة التي كان يبيعها لأن مالكها، السياسي ورئيس حزب النجادة عدنان الحكيم قرر "تبنيه" نوعاً ما.

وبحكم علاقته بعدنان الحكيم، تعرّف على أشخاص كثر، وصار يكتب في عدة جرائد، ثم تزوج من حفيدة رئيس المحاكم السنية في بيروت الشيخ شفيق يموت، وإبنة الشيخ الشهيد حسن تميم الذي توفي خلال قيامه بعملية جراحية وأنجب منها 4 بنات "مجدولين، يسرى، ميساء ونعمت". أما بحكم إثباته لحسن عمله، تم تعيينه في وزارة الإعلام في دائرة الأحداث الآنية والريبورتاج في إذاعة لبنان عام 1983 وبقي فيها حتى مماته، إلا أنه وفي زمن توزير الوزير غازي العريضي، وعند دخول المكننة إلى الوسط الصحفي وضعف قدرة خالد على المواكبة، قرر الوزير الفذ، تخفيض رتبته وراتبه من صحافي إلى "ناطور" وذلك بالرغم من عدم تغيير أي من الآليات في الإذاعة إلى آليات جديدة وبالرغم من عدم تغيير آلية التغطية اليومية!... "بلد ما يعلم بيها الا ربّنا"!

انجازات "بصمت"... وصوت مسجّل لا يفارقنا

أصبح اللحام عضواً في اتحاد الكتاب اللبنانيين منذ العام 1997 ومسؤول الإعلام في رابطة النواب السابقين منذ 1997 حتى 2000 وعضو مجلس أمناء المركز الثقافي الإسلامي عام 2008 ومستشاراً إعلامياً لأمين عام مجلس الوزراء سابقاً والسفير والنائب السابق عمر مسيكة حتى وفاته.

هو كاتب تلفزيوني أعد عدة برامج وللمفارقة بيعت أحدها إلى تلفزيون المنار وبثت على شاشتها (ما يؤكد أنه كان محايداً يتجنب زواريب السياسة) وكان البرنامج اسمه "كلاكيت" من 60 حلقة!

عُرف أيضاً ككاتب إذاعي سجل مئات الحلقات الإذاعية في الإذاعات الخاصة (ومن مختلف التوجهات السياسية) منها: "عالم مجنون جداً جداً، ويبقى للبسمة مكان، كلمة حق، معادلات غريبة، الله يستر، حوار الطرشان، خيزرانة أبو المراجل، مكتب العم سامي، الإقتصاد والصناعة في أسبوع".... وبرنامج "يا بابا احكي لي حكاية" الذي سُجل لنا... بناته. ولعلني محظوظة في هذا الإطار، فكل ما أردت استعادة شيء من روحة، وضعتُ كاسيت ما له، واستعمت إليه إما محاوراً أو مناوشاً أو يحكي للنسخة الصغيرة مني "قصة".
كان موضوعياً ومحايداً في كل ما يكتب أو ينشر بإسمه، إلا أنه عندما كان يهاجم الإحتلال السوري للبنان كان يكتب بإسم مستعار. صدر له أكثر من 34 مؤلفاً ومنها:
موسوعة بيروت في الذاكرة الشعبية (5 مجلدات) قال في مقدمة أول جزء منها :"البعض أرّخوا بيروت من خلال المستشرقين، البعض الآخر أرّخوا ذكرياتهم الشخصية ولكن أحداً لم يؤرخ لذاكرة الناس" إذ اعتبر أن الذاكرة الشعبية، أو ما يعايشه الناس هي من أهم المراجع التاريخية، وإذا ضاعت ضاع التاريخ وصار حكراً للمنتصرين يكتبونه كيفما شاؤوا. ومن هنا حرص اللحام أن يحفظ "ذاكرة" كبار بيروت وفقرائها وبائعوا الجرائد وأحاديثهم وطرائفهم وأقوالهم فبيروت بالنسبة له هي البوتقة التي صهرت كل اللبنانيين بين حيطانها وفي أرواحنا.

كتاب آخر له إسمه "قضايا إسلامية معاصرة" وهو عبارة عن أول كتاب صدر في حوار خاص مع السيد محمد حسين فضل الله لما مثله من شخص غير طائفي، ينادي بالوطنية وكتب في مقدمة الكتاب " قد تؤيده وقد تُخالفه لكنّك لا تملك إلا أن تُحبّه وأن تحترم وتُفكّر كثيراً في كلماته التي تحملك إلى ابعاد كل القضايا التي تحاوره حولها. لتجد نفسك موافقاً له في كل ما يقول وإن كان موقع من يحاوره في بعض الأحيان هو موقع الخصم لما يطرحه السيد."

أبي... الضحوك

كان اللحام يحب الضحك كثيرا، فقرر جمع نكات في خمسة كتب تحت عنوان "وجبة ضحك" وكانت ألطف تركته، في كل مرة أقرأ نكتة ما على وسائل التواصل الإجتماعي أو أخبرني أحدهم طرفة، عادت بي الذاكرة إلى صوت ضحكاته وهو يحاول ان يقول لي الطرفة ويضحك خلالها فلا أفهم من تفاصيلها الا ضحكاته، وأتذكر كيف كان عاشقاً للموسيقى وكيف يغني بصوته "المزعج" كل صباح كي نتضايق من نشازه و"نوعى"، وكم أشتاق لأن يعود ويزعجنا ولو لمرة واحدة إضافية كي أودعه.

كتب أيضاً في الحب كتاباً بعنوان "وقالوا في الحب"، وبصراحة لا يمكنني قراءة أي حرف من هذا الكتاب لما فيه من ذكريات في مراهقتي ومغامراتي العاطفية التي كنت أشاركها معه فيضحك ويفتح الكتاب ويقص علي قصة صغيرة منه ينصحني بها بشكل غير مباشر، فهو نسوي من الطراز الرفيع ومناضل لحقوق المرأة وقام بتربيتي على الإستقلالية وحب النفس وعلى أن المرأة ليست نصف المجتمع بل هي حاكمته.

كتب أيضاً كتاب "الإسلام... حرب بلا ضحايا" تنبأ فيها ظهور مجموعات تشبه داعش، انطلاقا مما عاينه من أحداث. كتب أيضاً كتابين في الإعلام أولهما "صناعة الرأي العام" وكيف يُطبخ الرأي العام عبرنا نحن "الصحافة" وكتاب "خداع الرأي العام" وهو كتابه الأخير عام 2010 عرض فيه أخطاء الإعلام اللبناني والعربي وسبل بناء منظومة إعلامية صحيحة بعيدة عن كل ما عايشه كصحافي. كما عمل اللحام في العديد من الجرائد الورقية، أذكر "الثابت" منها (غير جريدة العروبة): "جريدة الأنوار بين 1983 و1995، سكرتير تحرير لجريدة النجمة 1993، مراسل للأنباء الكويتية مكتب بيروت 1983 حتى 1996، مراسل في وكالة الأنباء الدولية 1990 حتى 1993، مراسل في وكالة أخبار لبنان 1992، كاتب في صحيفة الحياة من 1993 حتى 1996، صحيفة الشرق 1992، وجريدة البلد وغيرها وأظن أنه ما من جريدة صدرت في لبنان لم يكتب فيها إلا أنه ختم حياته مع جريدة اللواء وكمحاضر ومسؤول إعلامي في جامعة الإمام الأوزاعي الخاصة.

اللحام وجريدة "التحري" الذي أصبح موقعاً إخبارياً أديره... بالصدفة!

وللمجلات الفنية حظ معه أيضاً إذ عمل كرئيس تحرير مجلة وفاء (للإعلامية وفاء ابراهيم) لأكثر من عشرة أعوام وأسس معها وأصدر جريدة "التحري" الإستقصائية وهي أولى الجرائد من هذا النوع (قبل برامج الاستقصاء التلفزيونية) إلا أنها توقفت بعد صدورها لمدة عام بضغط سياسي "أيام الوصاية"... وهي بالمصادفة النسخة الورقية لموقع "التحري" اليوم، وقد صدرت كعدد أول في السادس من شباط 1993. دارت الأيام، مات أبي، ولم استطع توديعه... عدت إلى لبنان لأعمل بعدها في فريق الإعلامية غادة عيد ضمن برنامج "بدا ثورة" على قناة mtv وأكتشف أنها أصبحت الناشرة الرسمية لـ"التحري"...! روح أبي حاضرة في هذا الموقع... ولأجله أكتب. وأقول له... يا كاتب البسطاء... وداعاً... أو ربما في كل مقال لي معك لقاء ما.

الأكثر قراءة