جريمة تهز مستشفيات لبنان: تبديل طفلتين في مستشفى بيطار... واستضعاف لأم أثيوبية الأصل-لبنانية حديثاً!

التحري | | Friday, November 12, 2021 10:39:14 PM

فتات عياد - التحري

طفلتان رضيعتان جميلتا العينين والمبسم... "ضحيّتان" لعالم متوحش لا رأفة فيه بهما. أب لبناني طيّب تائه يريد حلاً، وأم أثيوبية من الفئات المهمّشة، تم استضعافها ومن ثم محاولة رشوتها كي تصمت على "تبديل فلذة كبدها". ملف شائك يحمل في طيّاته إجرام يبدأ بالاتجار بالبشر ولا ينتهي عنده، كشفه الإعلامي جو معلوف ضمن برنامجه "فوضى"، وقامت بملاحقته، تحت إشرافه المباشر الزميلة ميرنا صابر.

ملف كان لا بد لـ"التحري" من الكتابة عنه لما فيه من قضية تقشعرّ لها الأبدان، أقرب إلى سيناريوهات الأفلام الهوليوودية منه إلى الحقيقة، لكنه حصل مع مارتا، وابنتها كاترينا، في مستشفى بيطار في سد البوشريّة!

ملف لم تتحرك من أجله وزارة الصحة بشكل فوري، للبحث عن أسباب "تبديل" طفلتين لعائلتين في المستشفى؟! وما إذا كان قد حصل عن طريق الخطأ، وما إذا كان الحادث الأول من نوعه في المستشفى أم هي سلسلة مخيفة لفعل شائك! لا بل تبين في اتصال مع "التحري" أن وزير الصحة "لم يشاهد الحلقة" للأسف إلا أنه وعد بملاحقة الملف... فلنتأمل خيراً.

ونظراً لخطورة القضية على "صيت" مستشفيات لبنان، وبُعدها الإنساني، والاحتمالات المتعددة لأسباب التبديل وما إذا كان متعمداً وكانت هناك سوابق مماثلة، كان لا بدّ من التعمق أكثر في القضية...

فكيف بدأت القصة وإلى أين وصلت مجرياتها، وكيف علّق وزير الصحة فراس الأبيض في حديثه لموقعنا؟ وماذا يقول الأب عما تعرضت إليه العائلة ومحاولات المستشفى "لفلفة القضية"؟


7 اتصالات "طارئة"!

وبدأت القصة بعد 24 ساعة من مغادرة زوجة اللبناني شربل الزغبي، مارتا الزغبي، المستشفى وابنتها المولودة حديثاً "كاترينا". إذ استفاقت العائلة في اليوم التالي للولادة، على اتصال من إدارة المستشفى، تدعوهم فيه لإحضار الطفلة "فوراً" للمستشفى بحجة "تطعيمها".

وفي حديث لـ"التحري"، يقول الأب "منذ تلك اللحظة بدأنا نشعر بشيء مريب في سلوك الإدارة"، إذ أنّ ابنتنا "كانت قد حصلت على الطعم في اليوم السابق، وتم إعطاؤنا شهادة بذلك، وهذا ما ذكّرتُ به إدارة المستشفى، لكنهم ردّوا بأن ابنتي لم تحصل على الطعم، على الرغم من الشهادة التي بين أيدينا".

ويروي الزغبي كيف اتصلت المسشتفى بالعائلة "7 مرات منذ الساعة الثامنة والربع حتى الساعة التاسعة صباحاً لاستعجالنا"، وكان لسان حالهم "من الضروري أن تجلبوا الطفلة فوراً"، بمعنى أن الحالة طارئة، ودوماً بحجة الحرص على صحة ابنتنا، لا بل أنهم "أعفونا من نفقات الفحوصات التي تنصلنا من إجرائها قبل يوم(200 ألف ليرة)، نظرا لسوء وضعنا المادي" وقالوا أنهم سيجرونها على نفقتهم!

لكن ما أثار ريبة الزغبي وزوجته أكثر، كان "انتظارهم لنا في باحة المستشفى، لتأخذ الممرضة الطفلة من بين أيدينا وتدخل الغرفة المخصصة لتطعيمها على الفور، مانعة إيانا من الدخول".

وما هي الا دقائق عدة حتى خرجت الممرضة وبيدها الفتاة ملفوفة بغطائها، لتسلمنا إياها وتهمّ بالانصراف مسرعة، لكن استعجالها "وتلك الاتصالات التي انهمرت علينا، دفعتني لتوقيفها وسؤالها عن حالة ابنتي الصحية، لتجيبني بتوتر "منيحة منيحة خود البنت وفل"، يقول الزغبي، إلا أن الجملة التي تلتها كانت أكثر خطورة، إذ أنها قالت ما حرفيته وفق رواية الوالد "ما بيبيّن معك إلا لشهرين" وكأنها تقول لي أن صحة الفتاة غير جيدة، وتنصرف بعدها.

"لو ما إما تنتبه، أنا بنتي ما كنت عرفتا"، يقول الزغبي بغصة. ولصغر سنها لم ينتبه الوالد -ولم يخطر على باله- أن تقوم الممرضة بتبديل ابنته، لكن أمها ولدى تفقدها في السيارة، لاحظت -وبشكل قاطع لا يعتريه الشك- أن ابنتها ليست ابنتها وأن التي تعلّقت بها قبل يوم واحد، ليست هي التي كانت تحملها في تلك اللحظة. من هنا، اتصل الزغبي فوراً بالمستشفى لترد عليه الموظفة بعنجهية كبيرة لدى طرحه مخاوفه عليها، عبر قولها "شو قصدك انو نحنا بدلنالك بنتك؟ يا عيب الشوم".

لكن شتيمة الموظفة لم تكن رادعاً لوقف الزغبي وزوجته لرحلة بحثهما عن ابنتهما التي تم تبديلها، وبعد توجههما للمستشفى، لاقتهما الإدارة بنفس الإجابة الفظّة، ليشعر الأب بنوع من الاستسلام لأقوالهم ويعود وزوجته للمنزل بعد أن قال لها "شكلا هيدي بنتنا".

وحدس الأم كان أقوى من كلام إدارة المستشفى، فهي بقيت مصرة على إحساسها، مستشهدة بحقائق ملموسة كقص أظافر ابنتها قبل يوم من ذهابهما للمسشفى، وفارق كثافة الشعر بين الطفلتين.
أكثر من ذلك، كانت الصور التي التقطتها مارتا لابنتها قبل يوم واحد فقط كفيلة بقطع الشك باليقين، وفارق الصور هذا كان دليلاً قاطعاً انطلقت منه لتلجأ لطبيبها الذي قام بتوليدها، الذي اعترف بالفارق بدوره، لتظهر ابنتهما فجأة بعد تدخل الطبيب، ويأخذانها ويرجعا الطفلة الثانية للإدارة.

وبهذه البساطة، حُلّت مشكلة خطيرة، قوامها عملية "تبديل" أطفال حديثي الولادة في حرم مستشفى لبناني، فيما لم تكن الطفلة كاترينا لتعود لأحضان لوالديها لو لم يكن "قلب الأم دليلها"!

لكن حل المشكلة لا يقفل القضية البتة، بل يطرح تساؤلات عدة في قضية رأي عام، بعد أن زرع الشك في قلب الوالد الذي أجرى فحص DNA ليعرف ما إذا كانت ابنته التي أعطيت إليه ثانية، هي ابنته الحقيقية!

المستشفى: ضربني وبكى... سبقني واشتكى!

هذه الفضيحة، لم تزد المستشفى إلا عجرفة في التعامل مع العائلة، حيث تمتنع حتى اليوم من اعطاء نتيجة فحص الـDNA للوالد، فيما يظهر فيديو عرضه برنامج "فوضى"، حواراً مسجلاً يتضمن اعتراف إحدى الموظفات في المستشفى بحصول التبديل، حيث يعلق الزغبي بسخرية على ما تعرض له، لترد بدورها "نحنا اكتشفناها"، ليجيبها "انتو اكتشفتو ولاّ أنا جيت لعندكن؟ حفاض بنتي ملبسينه لهيديك"، لترد هي بنبرة أسف "لا مش حرام!"، ويضيف بدوره "وأنا مش حرام كنت أكلت ضرب ببنتي؟".

ولم يكتف المستشفى بلملمة الفضيحة، بل صعّد من موقفه، محجما موقف الزغبي وحرقة أعصابه وزوجته، ليسخر رئيس المستشفى -بشماتة- من أن الزغبي لا يمتلك "مستندات" تثبت أقواله، كفحص DNA يثبت أن الطفلة الأولى ليست ابنته، بما أنها عادت لأهلها. لكن فارق صور الطفلتين والحديث الموثق مع الطبيب عبر الواتساب، والفيديوهات المسجلة لاعترافات إدارة المستشفى، كلها حقائق لا مفر منها!

وعلى قاعدة "ضربني وبكى سبقني واشتكى"، لجأ المستشفى للقضاء لمنع عرض الحلقة التي استضاف فيها معلوف العائلة. وتزامناً، اجتمع مدير المستشفى مع الزغبي طالباً منه التفاوض، عارضاً عليه مبلغاً مالياً كرشوة، رفضها الزغبي، وفضل كشف الفضيحة أمام الرأي العام، رافضاً المساومة على ابنته التي كاد أن يخسرها.
في الإطار يقول "لديّ وزوجتي انطباع أن جنسية زوجتي الإثيوبية جعلتهم يتعاملون معنا بدونية، وربما ظنوا أننا غير متزوجان، واستسهلوا تبديل ابنة غير شرعية".

تبديل متعمّد؟

وهذه القضية تعيد للأذهان قضية فقدان عائلة لبنانية منذ أشهر لأثر ابنها في مستشفى تركي، حيث قيل لهم أنه ميت، فيما لم يستلموا أي جثة. ورجحت التحليلات وقتها أن تكون القضية تحت خانة الإتجار بالبشر.

وبالرجوع لقضية الطفلة كاترينا، وفي محاولة لتحليل الوقائع، نسأل والدها عن صحة الفتاة التي تم تبديل ابنتها بها، ليذكّر بعبارة "بيبيّن معك بعد شهرين" التي قالتها له الممرضة، مضيفاً "لم يكن هناك إلى جوار زوجتي سوى عائلة واحدة أنجبت طفلة وبدت عائلة ميسورة، إذ أنها أمنت فحوص طفلتها كاملة على عكسنا"، مبديا خشيته من أن تكون تلك العائلة "أرادت تبديل ابنتها بابنة سليمة صحيا، نظرا لحالة صحية تعاني منها".
وتبديل الأطفال -وإن حصل عن عمد- قد يصل جرم ارتكابه حدّ الإتجار بالبشر، هنا نسأل الزغبي عن موقفه، يصوّب على أمرين خطيرين يجب التوقف عندهما:
-والأمر الأول هو سوار الطفلة، الذي "وضع بيد الطفلة الثانية عند التبديل لإيهامنا انها هي نفسها".
-والأمر الثاني هو "الحفاض الذي أعيد وضعه للفتاة الثانية، لعدم إثارة انتباهنا".

ولمساوئ الصدف، فإن هناك نقطة مشتركة في هاتين القضيتين، لا يمكن تلافيها، وهي استضعاف المستشفى التركي للأم اللبنانية، واستضعاف المستشفى اللبناني للأم الأثيوبية، وهي سلوكيات مجردة من الإنسانية، عابرة للدول!

وزارة الصحة تنتظر تقديم الشكوى!

وإزاء هذه المعطيات الخطيرة، تواصلنا مع وزير الصحة للتوقف عند ما إذا كانت فتحت تحقيقاً بقضية كاترينا التي قد تكشف خيوط فضيحة أكبر عن ارتكابات قد تكون ارتكبت في هذا المستشفى. لكن الوزير فراس الأبيض "لم يشاهد حلقة معلوف" وبالتالي وحتى لحظة اتصالنا به، لم يكن على علم بالحادثة. وفي السياق، علّق بالقول "لتقدم العائلة شكوى بحق المستشفى لنفتح تحقيقا بالحادث".

وبعد إصرارنا على سؤاله عما إذا كانت الوزارة ستتحرك نظراً لخطورة المسألة التي باتت قضية رأي عام، وعدنا بأن "هناك فريق مختص في الوزارة سأطلب منه التواصل مع فريق جو معلوف لفتح تحقيق بالحادثة".
وحتى اليوم، لم تقم العائلة بفحوصات الـDNA في مستشفى آخر، لكن الوالدة مصرة على ذلك لأنها "لا تثق بنتائج المستشفى، المحجوبة عنا حتى الساعة".

وتنتظر العائلة مساعدتها من قبل فريق برنامج فوضى لتوكيل محام في القضية، لكن ساعات الانتظار طويلة، فيما قضية كهذه يفترض أن تهز قطاعاً بأكمله، سيما وأن مستشفيات لبنان "لا ترحم" عندما يتعلق الأمر بالنفقات المادية، ولا ينقص اللبنانيين "عدم رحمة" من نوع الإتجار بالبشر، وتبديل الأطفال، وحرمان الأهل من أولادهم، وهدم حياة عائلات بأكملها.

الأكثر قراءة