النوادي العلمانية تتوسع: و"رأس بيروت" تفتتح معركة العاصمة!

التحري | فتات عياد | Friday, October 8, 2021 7:14:04 PM

عندما دعا جزء من اللبنانيين إلى جعل طرابلس عاصمة لبنان، كعربون شكر لها على كونها مهداً للثورة لم ينضب ولم يتعب، أرادوا تعويض هذه المدينة عن حرمان قاسته لعقود. أما بيروت، فإن "الصيت" المعمّم عن المركزية فيها لا يلغي أنها متركزة ومحصورة بفئات طبقية وحزبية وطائفية بل وعائلية بعينها، في حين أن فئات شبابية تغييرية -لا سيما العلماني منها- غير ممثلة سياسياً ولا اجتماعياً أو حتى اقتصادياً. وفي رأس بيروت تحديداً، معقل الاختلاط الطائفي في المدينة والتنوع الثقافي فيها، يفتتح "النادي العلماني" مشواره، ليكسر حقبة حرمان الفئات اللا-طائفية من التمثيل، ويفتح معركة حقيقية مع النظام في معقل المركزية، مع كل ما تحمله المعركة من "حماوة" وضرب للمنظومة في عمق العاصمة نفسها التي تسببت بتفجير مرفئها في 4 أب 2020!

وبينما تتحضر النوادي العلمانية في الجامعات للانتخابات الطلابية خلال هذين الأسبوعين، هي التي -اكتسحت- النتائج في انتخابات العام الماضي واكتسبت ثقة الطلاب كمؤشر على إرادة التغيير عبر العلمانية نقابياً، جامعياً وسياسياً، إثر انتفاضة 17 تشرين، أعلن السبت الفائت عن تأسيس النادي العلماني في رأس بيروت، بعد تأسيس نوادي المناطق صيدا وصور وعالية، لتترجم مقولة "الشعب يريد إسقاط النظام" بالممارسة، ويشتبك الخطاب العلماني مع قوى المنظومة هذه المرة من منطقة "كلاسيكية" لطالما تم تنميطها لصالح الأوليغارشيات المصرفية والتجارية والبيوتات السياسية، وها هي تتمرد اليوم وتنتظم وتشبّك مع بقية الأندية، ودوماً، وفق القاعدية لا المركزية...

من الجامعات إلى المناطق...

وللإطلاع أكثر على تفاصيل نشأة هذا النادي ودوره المستقبلي، يقول خضر عيدو، أحد أعضاء النادي العلماني في رأس بيروت، في حديث لـ"التحري"، "بدأنا بإنشاء النوادي العلمانية في الجامعات بعدما كانت الفكرة غير مرغوبة من أكثرية الطلاب، لكن بعد زخم ثورة ١٧ تشرين، استطاعت هذه النوادي الفوز بالانتخابات الطلابية، بعد أن كانت تشكل "تابو" وخوف وتردد عند غالبية الطلاب، لكن بعد التعرف على المشروع العلماني من جهة، وجدية هذه النوادي وطروحاتها وحملها لقضايا الطلاب وعدم المساومة عليها من جهة أخرى، بدأ الطلاب يصوتون لها كخيار واضح وحاسم نحو أي لبنان يريدون، بعيداً عن أحزاب المنظومة التي رأوا نتائج سيطرتها على اللجان الطلابية، وهي نتائج شبيهة بسيطرتها على مؤسسات الدولة. من هنا كانت ضرورة تأسيس نواد علمانية بالمناطق، وأتى قرارنا بتأسيسه في رأس بيروت بعد تأسيس النوادي العلمانية في كل من صيدا وصور وعاليه".

أما نطاق عمل النادي العلماني في رأس بيروت، فسيكون داخل هذه المنطقة، ويهدف إلى تعريف الناس على مفهوم العلمانية وتصحيح المفاهيم الخاطئة التي وصلتهم عنها. هذا ويذكّر عيدو أنه "تاريخياً، شكّلت منطقة رأس بيروت بيئة حاضنة للحركات التقدمية والديموقراطية والعلمانية ورأينا فيها تناقضات سياسية بين مختلف الأحزاب في فترات زمنية مختلفة سواء في الحرب الأهلية أو بعد أحداث العام 2005 او حتى بعد حقبة الثورات العربية... في حين أت المنطقة نفسها شهدت حركات تضامنية مع الشعوب العربية إبان ثوراتها، وحركات نسوية، وتحركات شهدناها للمرة الأولى في بيروت، ناهضت صراحة التحرش والذكورية، وكانت بيئة آمنة للفئات المهمشة".

وكشابات وشبان نرى بالعلمانية سبيلاً للوصول بلبنان إلى بر الأمان، وبعد قراءتنا لهذه المعطيات التاريخية، وكأولاد بيروت تحديداً، شكّلنا هذا النادي العلماني ليكون منحازاً للمصلحة المجتمعية بوجه النظام اللبناني بكل أقطابه وبوجه الميليشيات والمافيات التي سيطرت على المنطقة دفاعا عن الديكتاتوريات والأنظمة الأمنية والبعثية.
أما عن طبيعة العمل، فيلفت عيدو إلى أنه سيكون "مجتمعياً-سياسياً، فالتغيير عبر السياسة ومواجهة الأحزاب بات ضرورة اليوم أكثر من أي وقت مضى". في الإطار، نسأل عيدو عن تأسيس النادي قبل أشهر من الانتخابات النيابية وما إذا كان سيلعب دوراً في هذا الاستحقاق، ليؤكد أن "الإنتخابات هي واحدة من أدوات التغيير وهدفنا هو التطلع للأمام عبر انتهاز الفرص السياسية ومنها الانتخابات، لكنها ليست المعركة النهائية او الأساسية لنا مع المنظومة، بل تمثل جزءاً من عنوان أشمل وهو استرداد المجتمع، وكل هذه المواقف هي تحت المراجعة الداخلية الديموقراطية بحسب الشروط السياسية والمجتمعية المتاحة".

فرص النجاح

ومنطقة رأس بيروت لطالما خضعت لنفوذ الأوليغارشيات المصرفية وكبرى العائلات، كصورة إقطاعية "متمدنة"، في ساحل لا "حقول" فيه، لكن "الترويض" يأخذ أشكالاً عدة، أبرزها السياسات الاقتصادية والحصانات الطائفية، من هنا، نسأل عيدو عن فرص نجاح النادي العلماني في خرق بيئة تمعن الأوليغارشيات بالسيطرة عليها، ليؤكد أنه "على الرغم من تحكم ميليشيات وأحزاب كانت قبل الحرب الأهلية وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، بمنطقة رأس بيروت، وصحيح أن كلمة علمانية غير مرحب بها لصالح الأسس الطائفية في المنطقة، لكن تجربة النوادي العلمانية في الجامعات، أثبتت انه على الرغم من الخوف الذي يسبق التعرف إلى ماهية المشروع العلماني، فالصورة تختلف كليا وكل الهواجس تضمحل لدى لمس المواطنين لإيجابيات العلمانية، فكيف بالذين ذاقوا الأمرين من النظام الطائفي؟".

من هنا، فإن جزءاً كبيراً من عملنا سيركز على شرح موضوعيّ لأهالي المنطقة حول المعنى الحقيقي للعلمانية، وهي فصل الدين عن الدولة ودولة المؤسسات، بهدف إقناع جيل الحرب بضرورة التغيير وبناء الدولة. ولعل أحد نقاط قوتنا هو فشل وضعف النظام الطائفي وسيطرة الميليشيات والمافيات على الدولة، والتي اوصلتنا الى مجازر اقتصادية ووزعت الخسارة على الفئات الأكثر ضعفاً وتنصلت من المحاسبة، يضيف عيدو.

العلمانية... تغيير جذري

وعن كيفية "الدعوة" للعلمانية كوسيلة للانتهاء من أزمات لامتناهية يولدها النظام الطائفي المحاصصاتي، يوضح عيدو أننا "نحن لا نعمل كأحزاب المنظومة التي تعتمد الخطابات الفارغة، بل لدينا مشروع واضح ومكتوب ومحدد وفق فترات زمنية، وهو مشروع بديل يهدف لقيام دولة الانسان المؤسسات".

ومشروعنا يهدف للتغيير الجذري في لبنان، خارج منطق الإصطفافات المصلحية الضيقة، فنحن كجيل ما بعد الحرب حسمنا خياراتنا، ونرفض النظام بكل مكوناته ونرفض اقتصاد الريع والاستغلال والاحتكار، كما نرفض البنية الأبوية والعنصرية والقمع والقتل المتوحش وميليشيات الموت والاغتيال والسلطات الدينية.
والعلمانية تنص على فصل الدين عن الدولة وقراراتها، اي عدم تدخل المفتي والبطريرك بالسياسة ورجال الدين عموماً، مع حرية ممارسة المعتقدات الدينية الفردية.

تشبيك مع بقية النوادي
القاعدية هي الأساس

وهذا النادي العلماني هو جزء من شبكة مدى التي تضم نواد علمانية جامعية ومؤخرا في المناطق، وهنا يشير عيدو إلى أننا أصدرنا بياناً في الشبكة تحت عنوان "خيارنا ثوري" وهو ينص على بناء عقد اجتماعي جديد متمحور على العلمانية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية والتضامن، ما يتطلب إعادة تنظيم المجتمع على أسس مجتمعية واقتصادية مختلفة تتمحور حول الحقوق والمصالح المادية لا الهويات الموروثة والانتماءات الأولية، وهو يعرض بالتفصيل برنامجا لإعادة هيكلة الديون والمصارف وكيفية إعادة شبكة المواصلات الاتصالات وتفعيل السياحة... كمشروع كامل لبناء الدولة.

وأهمية الشتبيك بين النوادي العلمانية، في المناطق والجامعات، هي تجربة نجحت شبكة مدى في إرسائها دون أي مس باستقلالية كل من هذه النوادي كتجربة منفردة بذاتها، من هنا، يلفت عيدو إلى أنه "يبقى التنظيم القاعدي في مدارسنا وجامعاتنا ونقاباتنا، والآن في مناطقنا، الأداة الفعالة لمقاومة هذه السلطة حتى اسقاطها والوصول الى مجتمع عادل مبني على أسس اجتماعية اقتصادية محورها الإنسان".

وعن فرص إحداث تغيير حقيقي في البلاد من خلال النوادي العلمانية، يذكّر أنه "استطعنا أن نغيّر في الجامعات ونربح في نقابة المهندسين التي كانت تسيطر عليها الأحزاب منذ 30 عاماً، وكذلك فإن الفوز من نصيب هذه النوادي في عدد كبير من الإستحقاقات القادمة في النقابات والجامعات، وهو واقع يعكس توجه شباب لبنان، ونستطيع كما نجحنا على هذا النطاق، النجاح على صعيد عقد اجتماعي بروح علمانية، أن نعمم التجربة في السياسة اللبنانية، ودائماً عبر التشارك بين المناطق، والتواصل وتشبيك الأفكار مع النوادي العلمانية الأخرى، بهدف وضع خطة لإنقاذ لبنان من براثن المنظومة الحاكمة".

وإذا كانت القاعدية نقيض المركزية، فإن التشبيك العابر للمناطق لهذه النوادي، العابرة للطوائف، يجعلها تجربة نقيضة للنظام الطائفي الذي بني على أساسه لبنان، وهو نفسه النظام الذي تتقوّى به المنظومة!

الأكثر قراءة