ماذا تغيّر في الحُكم كي نتأمل خيراً من "استئناف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي"؟!

حقوق الناس | | Wednesday, October 6, 2021 9:30:51 PM

رولا سلاخ - التحري

تعود الأنظار في لبنان إلى المفاوضات التقنية مع صندوق النقد الدولي مع استئناف المحادثات، الآملة إلى التوصل لاتفاق حول برنامج تمويلي يرتكز بصلبه على خطة تعافي تلقى دعم المؤسسة الدولية. لا بل وبأرقام جديدة غير تلك ذُكرت في خطة العام الماضي التي حددت حجم الفجوة في النظام المالي بقيمة 90 مليار دولار، وهو رقم رفضته البنوك، بسبب وجود مخصصات لإنقاذ مالي من المساهمين سيشطب رؤوس أموالهم، ومتذرّعة بأنها "لن تتحمل العبء الكبير وحدها" وقد تخبطت بعدها في دهاليز السياسيين حتى صار "كل حدا عنده رقم صار يزته" تتراوح بين ربع ونصف المبلغ الذي تشير إليه الخطة للتشكيك بحجم الأضرار والرقم المطلوب!
أما اللافت في عودة المحادثات ليس التوافق بين المتصارعين سابقاً فحسب، بل وجود اسم حاكم المصرف المركزي رياض سلامة بين المفاوضين، دون اعتراض أي من الأطراف السياسية الحاكمة بخاصة التي تخوّنه علناً على منصاتها الإعلامية وفي الشارع وبين كوادرها...! الأمر الذي لا يرسم إلا "ضحكة صفراء" حول "سبحانية" تحلحل الأمور وكيف لم يعد هناك اشكالية تُذكر حول اسم شكّل صراع مسبقاً، بين المتحابين اليوم.

وفي التفاصيل، سيستعين الوفد بخبراء من أصحاب الاختصاص منهم شربل قرداحي المستشار الاقتصادي لرئيس الجمهورية ميشال عون، ورفيق حداد المسؤول المالي للتيار الوطني الحر (برئاسة جبران باسيل) ومستشارين إقتصاديين لرئيس الحكومة.

إلا أن أمر نجاح هذا التفاوض غير محسوم، بل تحكمه "النوايا" إن صح التعبير، لا سيما وأن صندوق النقد الدولي قد سئم مسبقاً على قاعدة "قاضي الأولاد شنق حاله" حد تعليق المفاوضات مع الحكومة السابقة، وذلك بعد 17 جلسة محادثات من الأخذ والرد والأرقام المبعثرة. فهل سيستطيع الوفد الحالي تحقيق أي تقدم تجاه صياغة خطة انقاذية للبلاد وتوحيد الصفوف والأرقام؟ أم أن التجاذبات السياسية ستطغى على المصلحة العامة للبنانيين كما جرت العادة؟!

في السياق، يسجل مراقبون بعض الملاحظات حول طبيعة هذا التفاوض وشروطه والأسس التي يقوم عليها إذ يجب الأخذ بعين الاعتبار أن الإصلاحات المقدّمة من الصندوق غير محايدة بتاتاً، بل خاضعة لإرادة إقليمية، وصولاً إلى فرض سياسات تقشفية وخصخصة الثروة العامة وتعويم سعر العملة وهو ما سيصب أخيراً على "ظهر المواطن" وعاتقه. المواطن الذي سيُعتمد عليه بديهياً في نهاية المطاف لدفع ثمن الخسائر الضخمة والأموال المأمول استقطابها "ديناً".

سقوط كان معلوم!

أما الجدير بالتوقف عنده، هو ما أشارت إليه مصادر مطلعة لـ"التحري" حول "العلم المُسبق، لموظفي صندوق النقد الدولي، بالكارثة التي كانت تنتظر لبنان، منذ ما قبل وقوع الكارثة!" ولكن إدارة الصندوق والبنك الدوليين فضلتا مسايرة القوى المسيطرة والاكتفاء "بالتحذيرات السطحية الودودة".

وتمثلت شروط صندوق النقد الدولي لتقديم المساعدة للحكومة اللبنانية في خمسة محاور: تحرير سعر صرف الليرة مقابل الدولار، رفع الدعم عن الاستيراد والسلع والخدمات، تقليص القطاع العام وإعادة هيكلته، خصخصة الكهرباء، اعادة هيكلة القطاع المالي.

وقد بدأ لبنان تنفيذها باجراءات حقق من خلالها مصالح المصارف والمودعين الكبار والنافذين وتشير التقديرات الى أن قيمة القرض الذي سيحصل عليه لبنان ستتراوح بين ٤،٣ مليارات دولار و٨،٥ مليارات دولار.

وإن كان لبنان قد رضخ بشكل أو بآخر لشروط صندوق النقد فقد عمل الأخير على "غض البصر" عن ممارسات القوى السياسية المسيطرة والمتحكمة ففي وقت سابق رضخ صندوق النقد والبنك الدوليين لضغوط الحكومة اللبنانية ومصرف لبنان ووافق على حذف فقرات عدة مهمة من تقرير تقييم الاستثمار المالي للبنان المنشور في 24 كانون الثاني 2017 والتي كانت ترسم صورة قاتمة عن الوضع المصرفي وهو أمر لا بد من التنبه له أو على الأقل "عدم نسيانه" بخاصة أنه من المعروف أن التقارير المعدة للنشر تخضع لعملية تفاوض سياسي مسبق للنشر ويتم التخفيف من حدتها أو تغيير وجهتها بما يتناسب مع مصالح الطبقة المتنفذة والتي أدت طريق عملها المستهتر إلى انهيار النظام المالي في 2019 بسبب عقود من الفساد والهدر في المال العام والطريقة غير المستدامة التي كان يجري التمويل.

وتكشف النسخة الأصلية للتقرير المذكور المخاطر التي تهدد النظام المالي ويظهر أن الاستقرار المالي مرهون بعدد قليل من المودعين الكبار وبقطاع عقاري متضخم بفضل دعم مصرف لبنان له. ويشير إلى أن احتياطات مصرف لبنان المأخوذة من النظام المصرفي، وصلت إلى عجز بقيمة 4.7 مليار دولار أميركي في كانون الأول 2015. وقد تبيّن أنه تم تحوير الكثير من الوقائع كي لا تعطي الانطباع بوجود مأزق جدي.

وعلى الرغم من كل ما سبق، ينظر لصندوق النقد الدولي على أنه المنفذ الوحيد لإعادة تدفق الأموال ولكن بالتوازي يشير البنك الدولي إلى أن ما يعانيه لبنان يكاد يكون أشد حالات الكساد منذ منتصف القرن التاسع عشر، إذ انكمش الناتج المحلي الإجمالي 40% بين 2018 و2020. وعليه، إن السؤال الذي يطرح نفسه: هل ستشرع الحكومة في إصلاحات مهمة؟ وهل هناك أصلاً من برنامج إصلاح يمكن تخيله من صندوق النقد الدولي لإخراج لبنان من حضيض ما وصلنا إليه؟ ماذا تغيّر في الحُكم كي نتأمل خيراً من "مفاوضات لبنان والبنك الدولي" المرتقبة؟!

الأكثر قراءة