كارل بوبر... أن تحلم بـ"التغيير" في لبنان بين اليوتوبيا والواقع

قوى تغييرية | | Thursday, September 23, 2021 7:12:57 PM

محمد الخنسا - التحري

يعجز الفرد عن تقييم الافعال المؤثرة في الشأن العام سواء تلك التي تأتي من نظام قائم او معارضته دونما ان يفاضل في قرارة نفسه - ولو كانت مفاضلته ضبابية او لا واعية - ما بين وجوب التغير الجذري الشامل للوضع الاجتماعي الذي يجد نفسه فيه في مقابل اصلاحه المجزّأ.

ورغم صعوبة رسم حدود تعريفية لماهية التغير الجذري، ورغم كونه اصطلاحا نسبيا، نسبة اولا للوضع القائم وطبيعة العلاقات الاجتماعية التي تعيد انتاجه، ونسبة للوضع المتصور في ذهن الفرد الذي يرى ان على التغيير الجذري ان يؤول اليه، يحلو لبعض المخيلات ان ترى في التغيير الجذري مقدمة لتغيير جذري آخر، فيصبح بذا حلقة من حلقات الوصول لمجتمع نهائي متصور . ورغم موت القرن الـ20 بما هو قرن الايديولوجيات المغلقة، الايديولوجيات التي تبنتها الحركات السياسية التي جعلت من غايتها تحقيق مجتمعات نهائية، الايديولوجيات التي شرّعت انظمة وجودها بها وآلت على نفسها ان تكون غاية سياساتها - ولو صوريا وعلى مستوى الخطاب- بناء المجتمع النهائي، لا زالت تتخلل مخيلات شرائح من جماهير منتفضة او معارضين لأنظمة قائمة احلام عن مجتمعات يوتوبية، واحاديث عن نظريات جذرية تستلزم ممارسة سياسية جذرية.

لكارل بوبر، وهو من ابرز فلاسفة القرن العشرين، محاضرة القاها سنة 1940، يتحدث فيها عن الفرق ما بين اليوتوبية السياسية والواقعية السياسية، أمكن الاستعانة بها وتشريحها لتساعدنا في مقاربة الاشكالية اعلاه. تستبطن المحاضرة افتراضات ومنطقا كوّنه بوبر في نقده للتاريخانية في كتابه "بؤس الايديولوجيا"، والتاريخانية منهج في قراءة التاريخ، ترى فيه ايقاعا معينا وطريقا محتوما الى منتهاً محدد، توضع المحاضرة كذلك في سياق تنظيره للمجتمع المفتوح في "المجتمع المفتوح وأعدائه". أما على صعيد الجدل السياسي حينها، فإن كلام بوبرهو نقد بالدرجة الأولى لسياسات الاتحاد السوفياتي على المستوى الداخلي والعالمي، ونقد لحجج مناصريه حول العالم.

يميز كارل بوبر في محاضرته السياسي اليوتوبي عن السياسي الواقعي، او المهندس الاجتماعي الواقعي عن المهندس الاجتماعي اليوتوبي. يعرف فيها المهندس الاجتماعي اليوتوبي على انه ذلك الذي بنى ذهنه تصورا كليا عن مجتمع نهائي فوظف افعاله المؤثرة في المجتمع القائم نحو جعل المجتمع المتصور واقعاً. أما المهندس الاجتماعي الواقعي فهو عند بوبر من حدد الشرور الاجتماعية الملح التخلص منها في الوقت الحاضر، أي عوضا عن ان تكون غاية سياساته تحقيق السعادة الكلية بتحقق المجتمع النهائي، تكون غايتها درء اشكال البؤس القائمة التي يرى الواقعي أنه من الممكن التخلص منها في الوقت الحاضر.

بما أن غاية المهندس اليوتوبي التغيير الشامل للمجتمع فان سياساته تأخذ في ذاتها شكلا شاملا، اي انها تنظر للمجتمع كـ"كل" وجب تحويله إلى "كل" آخر، بل إن الخريطة الذهنية لليوتوبي والمفاهيم المؤلفة لها تأخذ شكلا شاملاً، فيعمد حينها إلى إعطاء هذا الـ"كل" اسماً، كـ"المجتمع الرأسمالي" أو "المجتمع الاقطاعي" أو "مجتمع الدولة وما مجتمع ما بعد الدولة" ويسأل نفسه عن الكيفية التي من الممكن نقل المجتمع فيها من تصنيف إلى آخر. أما سياسات المهندس الواقعي فإنها تأخذ منحاً "جزئياً" في معالجة الظواهر، فإشكالياتها إشكاليات مجزءة تصورها بسيط وهي من قبيل: "كيف أمكن التقليل من نسبة الجريمة؟"، "كيف أمكن زيادة ميزانية القطاع التعليمي؟"، "كيف من الممكن زيادة فعالية الجهاز الضريبي؟".

انتقد بوبر اليوتوبية السياسية من بابين، الأول ابستيملوجي والثاني من التجربة التاريخية التي عاينها. إن نقد بوبر الأول يوضع في سياق نقده للتاريخانية في أعماله الأكثر تجريداً، عندما يتحدث عن استحالة التنبؤ بالمستقبل الاجتماعي البعيد ومرد ذلك استحالة بناء منهج علمي يستطيع استيعابه. ولكنه في محاضرته استخدم صياغة أكثر بساطة وأبعد عن التحليل الفلسفي فقال "يصعب احتساب النتائج العملية للتغيييرات الشاملة للمجتمع، ومرد ذلك محدودية تجربتنا". أما نقده المنطلق من التجربة العينية فكان في العبارة التالية: "المحاولات اليوتوبية لتحقيق دولة مثالية، باستخدام مخطط شامل عن المجتمع، تتطلب حكما مركزياً صارما لقلة، والذي من المحتمل بدوره أن يؤدي إلى ديكتاتورية".

ورغم اعتراضات بوبر المشروعة، إلا إنها لا تخلو من عدة إشكالات، فبالنسبة لنقده المنطلق من التجربة العينية فانها محصورة بالتغيير الشامل من قبل المهندس الاجتماعي، أي أن نقده لا يطال نظريات التغيير الشاملة التي تأتي على أيدي المجموعات المنظمة التي لا تحتل دوراً في ماكينة الدولة. اللهم إلا ان كان يرى أن المجموعات المنظمة لن تستطيع في النهاية تحقيق التغيير الشامل إلا عبر السيطرة على ماكينة الدولة أو مواقع فيها، وبالتالي ان تعين من قبلها مجموعة من "المهندسين الاجتماعيين". بل ربما يصح التساؤل إن كانت جملة بوبر هي جملة قلبت الواقع رأساً على عقب، فلعل الخطاب اليوتوبي قد يستخدم كحجة لتحقيق الاستبداد وليس الاستبداد حجة لتحقيق اليوتوبية.

ويمكن الإشكال أيضا على بوبر، في انه يعتمد في التبرير للسياسات الواقعية النبيلة على نزاهة المهندس الواقعي ونواياه الطيبة. وبذا يتجاوز بوبر كون خيارات المهندس الواقعي محكومة بعلاقات اجتماعية محددة تحجم من قدرة نواياه على التحقق في الواقع. بل إن تصوراته عن الطيب والخبيث محكومة بانفعالاته النفسية وموقعه الاجتماعي وثقافته، وبل إنه لو افترضنا أن السياسات محكومة بنوايا صناعها فإن بوبر يعجز عن أخبارنا عن الكيفية التي من الممكن بها استبدال مهندسين اجتماعيين ذوي نوايا خبيثة بآخرين ذوي نوايا طيبة. ولم يحدد لنا بوبر ما ما معيار المهندس الواقعي في تحديد الشر "الممكن" درؤه من غير الممكن، وما الملح من غير الملح.

يمكن القول كذلك أن الهندسة الواقعية التي يدافع عنها بوبر، تفترض مجتمعا محدداً تصبح فيه فعالة، أي أن بوبر يفترض في قراراة نفسه "كلاً" محدداً على المجتمع أن يكون إياه تمكن من وجود مهندسين واقعيين في مركز القرار. إذن لا مهرب من النظر إلى المجتمع كـ"كل"، حتى لو أخذنا بمسلمة بوبر عن استحالة بناء منهج علمي يحدد ايقاع التاريخ، فإن العقل بطبيعته لا يستطيع إلا النظر للمجتمع كـ"كل"، وربط الظواهر المختلفة بنظرية عن الوضع القائم، وتلك مهمة العلوم الاجتماعية.

لا ضير في توظيف الكلام أعلاه لنقد واقعنا السياسي اللبناني، فمن 17 تشرين حتى اليوم رأينا حكومة سقطت، وأخرى صرفت الأعمال، وأخرى تشكلت من جديد، نرى وجوهاً جديدة في موقع صنع القرار الرسمي وأخرى قديمة، لا زلنا نرى الوضع القائم يتراوح ما بين سيء وأسوأ، مما عنى حينها أن الحال غير منوط بوجوه تحتل مؤسسة الدولة التنفيذية، لا بل هو أبعد من كون هذه الوجوه ممثلة لوجوه أخرى كقيادات طائفية أم نخب برجوازية مصرفية، بل هو منوط بشكل علاقات اجتماعية وطبيعة بنى سياسية قائمة تعيد انتاج المآسي نفسها، لزم حينها النظر للمجتمع والدولة على أنها "كل"، "كل" وجب التنظير للديناميات التي تعيد انتاج وجوده، مما يزلم على أي معارضة للنظام القائم بالتالي ممارسة جذرية مبنية على نظرية جذرية تنتشلنا من الوضع القائم الذي نحن فيه.

الأكثر قراءة