أسطورة الرعب "النسخة اللبنانية": عن دراكولا الذي يقتلنا ويجدد شبابه بشرب دمائنا

التحري | | Monday, September 13, 2021 11:26:39 AM

فتات عياد-التحري

هي ذاكرة جماعية "دموية" للحرب الأهلية اللبنانية أبطالها أمراء الحرب الذين كلّف تربعهم على كراسي الزعامة، حمام دم دُفن فيه 150 ألف لبناني تحت التراب إلى الأبد. وهو كرسي ملوث بالدم، وبقتل أحلام مئات الآلاف وتهجير جماعي. وها هو التاريخ بعد 30 عاماً من انتهاء الحرب يعيد نفسه، وفيما تتبلور مراسم دفن "لبنان الكبير" الذي نعرفه، يبقى الخوف ألا تدفن معه منظومته القاتلة، فتجدد شبابها بسفك المزيد من دماء اللبنانيين، على طريقة دراكولا، مصاص الدماء الأكثر رعباً في التاريخ، وهو ما حصل بالفعل مع انفجار مرفأ بيروت العام الماضي، عبر قتل أكثر من 200 شخص، وجرح 5 آلاف، وتدمير ثلث العاصمة!
والخوف من بقاء الطبقة السياسية على الرغم من "قِدمها" و"اهترائها" ليس بالأمر المبالغ فيه. فهي "عجوز" شمطاء لكنها ليست "عاجزة". فهي لن تفرط بمغانمها ومكاسبها، ولعل تشكيل حكومة الرئيس ميقاتي لخير دليل على قوتها رغم ضعفها، ففي عز انقضاض الجماهير من حولها، هي أكثر شراً من ذي قبل، وهي تسعى لتجديد شبابها بكل ما أوتيت من قوى شيطانية، ولو كلفها هذا 150 ألف ضحية أخرى!
أما ثورة 17 تشرين، فهي محاولة "بريئة" للتخلص من شرور عظيم. فمن قال أن دراكولا يموت أصلاً؟ فهو "الذي لا يموت"، وهو العنوان الأول الذي طبعت فيه رواية برام ستوكر عام 1897، التي تحدثت عن أول مصاص دماء دخل عالم الدراما من بابها الأكثر شهرة، "الكونت دراكولا"، فيما دخل المسؤولون اللبنانيون عالم المتاجرة بدماء وأموال اللبنانيين، من بوابة الأكثر "امتصاصاً" لثروات الشعوب بين زعماء العالم!
وإذا كان دراكولا شخصية خيالية تعتاش على امتصاص الدماء من أجساد ضحاياها حتى موتهم، فالمنظومة اللبنانية "حقيقية" وليست من نسج خيال أحدهم ولو أن غالبية اللبنانيين تتمنى ذلك. وقد يصدم الكثيرون إن عرفوا أن دراكولا شخصية لها وجود على أرض الواقع، فهو حكم رومانيا، وقتل زهاء 130 ألف شخص، أي أنه كان أقل دموية من المنظومة اللبنانية الحاكمة!
فشرب الدماء هو "إكسير" الحياة الأبدية بالنسبة لمصاصي الدماء، ودراكولا اعتاش على امتصاص دماء ضحاياه حدّ موتهم من المرض، وكذلك حكام لبنان. وبين دراكولا الحقيقي ورواية ودراكولا والمنظومة الحاكمة، سيناريوهات متقاطعة وروائح دم وقتل وموت تفوح في الأرجاء...

دراكولا... واللحظة الحرجة
والكونت دراكولا (غاري أولدمان) في فيلم Dracula، الصادر عام 1992، يعيش لحظة هي الأكثر حرجاً في حياته، فهو "ملعون" منذ أن شرب الدماء حزناً على زوجته المنتحرة إليزابيت بعد خوضه الحروب باسم الدين، فعاش في الظلمات، وهو الآن ميت وليس بميت، فهو خارج الزمن، هرم، قبيح، بحاجة للخلاص عبر الإيقاع بـ"مينا" (وينونا رايدر) الشابة الجميلة، خطيبة محاميه، كزوجة بديلة له تعيد له شبابه عبر الانصهار معها جسداً وروحاً. تماماً كالمنظومة الحاكمة اليوم، ففي عز انحلال الدولة وانعدام الثقة الدولية بالمنظومة، وحدهم أنصارها مسحورون بـ"دراكولا"، فيما هي تحاول أن تستعيد شيئاً من شعبيتها فتغري اللبنانيين ببطاقة تمويلية وكراتين إعاشة وحكومة تسووية، بعدما كفر السواد الأعظم من الشعب بالمنظومة، لا بل سعى للتخلص منها!

وعضّ دراكولا، مينا أثناء ممارسة الحب معها ليغويها، بينما ذلّت الطبقة السياسية الناس لتطوعهم لأجلها، أغوى دراكولا مينا بالجسد، وأغوت السلطة الناس بالفتنة، و"الفتنة أشد من القتل"، أغوى دراكولا مينا بالحياة الأبدية، فأغوت الأحزاب اللبنانية الشعب بحياة أشبه بالموت، كي لا يعيشوا خارج عباءتها.
سيطر دراكولا على الرياح فسخّرها لأجله، وسيطر زعماء لبنان على الدولة فأخضعوها. والمنظومة إذ تغوي شعبها في سبيل ترويضه خشية انقضاضه عليها، هي مطاردة داخلياً وخارجياً ومهددة بالمحاسبة، تماماً ككونت ترانسيلفانيا الرومانية المطارد من قبل محبي مينا، لكنه عصر الظلام والموت والدماء، إنه عصر دراكولا!

المخوزِق والخوازيق
وفلاد الثالث، حاكم رومانيا "أرض الأفلاق" في القرن الخامس عشر، هي الشخصية التي استوحى منها ستوكر شخصية دراكولا، وهو كان على عداء مع السلطنة العثمانية في عهد السلطان محمد الفاتح، وكان على عداء مع كذلك مع "البويار"، وهم من طبقة الأرستقراطيين.
ودراكولا من دراكول، وهو اسم والد فالد الثالث، وباللاتينية تعني "ابن التنين"، و"ابن الشيطان" بالرومانية الحديثة. و"عصبة التنين" كانت اتحاداً سرياً لأمراء ونبلاء أوروبيين وقوفوا ضد المد العثماني.
والتنين برج صيني عادة ما يمتلك المال والثروة إلا أنه يسعى للقوة والسيطرة والقيادة. وهي صفات اجتمعت في فلاد الثالث، الملقب بـ"المخوزِق".
ولم يشتهر فلاد بالقتل بل بالتفنن فيه إذ كان "يخوزق" من يأمر جنوده بقتلهم عبر تعليقهم على الخوازيق. وقتل 20 ألفاً من شعبه ليحارب الفقر، وقتل الآلاف من البويار ودقّ المسامير في رؤوس رسل عثمانيين ليعودوا "عبرة" لسلطنتهم، وتلذذ بأكل الطعام وسط ساحات قتل الآلاف من ضحاياه المعلقين جثثاً على خوازيق، ويقال انه تذوق دماءهم بالفعل وغمسها بالخبز!

وفلاد المتعطش لإراقة الدماء لم يقتل بالخوزقة بهدف التعذيب وحسب، بل كان يستخدمها كسلاح للعب على الوتر النفسي لأعدائه، وفاز بالفعل في ساحة معركة لم يبدأها ضد محمد الفاتح، بعد أن رأى جنود الأخير قتلى بالمئات معلقين بالخوازيق، قتلهم جنود فلاد، دراكولا رومانيا!
وفي لبنان، تبتز المنظومة الحاكمة الشعب بالخوازيق لكسب الطاعة، وصحيح أن اللبنانيين يستخدمون فكرة "الخازوق" بالمعنى المجازي، لكن حياة الشعب اللبناني مملوءة بها، وهي أيضاً خوازيق ذات طابع إجرامي و"كل خازوق" أكبر من الثاني...
فالسرقة الموصوفة لأموال المودعين "خازوق" مبشم، والعتمة شبه الشاملة في القرن 21 لهي خازوق كبير جداً، وانتظار الناس بالطوابير وامتثالهم للسوق السوداء للدولار والبنزين والدواء للحصول على حاجاتهم، خوازيق اشد ايلاماً، أما حرمان الأجيال الجديدة من التعليم فهو قتل لمستقبلها، وحرمان المرضى من الطبابة لهو قتل علني. ومن كثرة الخوازيق تمزقت أرواح اللبنانيين، الذين لا يدرون على أي خازوق "يتخوزقون"، فتراهم يموتون كل يوم ألف ميتة!
وكما اعتبر الرومانيون فلاد الثالث بطلاً قومياً أنقذ أوروبا من الغزو العثماني، نظر إليه البعض على أنه مجرم أنهى حياة أكثر من 100 ألف شخص دون رحمة. وفي وقت يرى مناصرو الأحزاب في لبنان زعماءهم أبطالاً قوميين، ويشيدون لأجلهم الحصانات الطائفية والحزبية، ويألهونهم هاتفين لهم بالروح، و بالدم –حرفيا-يفدونهم، هناك من يراهم، "كلن يعني كلن"، مجرمين قتلة.
وخاض فلاد الثالث القتال باسم الدين، مع أنه عصى تعاليمه وخاض حروبه بنفسٍ إجرامي وأخذ له الدين مطية، تماماً كحكام لبنان، المتحججين بحقوق الطوائف، مصاصي حقوق الشعب أجمع.
ولم يحاسب أمراء الحرب الأهلية على جرائمهم، بل حكموا 30 عاماً في السلم، ارتكبوا خلالها جرائم لا أدلة دموية عليها، كسرقة أموال المودعين وثروات البلاد وإفقار شعبها وتهجيره. لكن دراكولا المتعطش للمزيد من الدماء، ظهر العام الماضي في انفجار 4 آب، فقتل روح العاصمة ومن يومها وهو يمتص دماء اللبنانيين "بالمفرّق"، بين ضحية برصاص طائش، وضحية بإشكالات مناطقية مسلحة، وضحايا انقطاع الدواء، وصولاً لضحايا الموت قهراً، وكل هذا لضمان استمرارية المنظومة.

مينا... الرهينة
30 عاماً من القتل الممنهج، عبر سياسات اقتصادية، وحروب شوارع متقطعة كمعركة 7 أيار 2008 الدموية، وعبر انتهاج إفساد في مؤسسات الدولة حدّ تحللها. وصولاً لأسوأ أزمة اقتصادية منذ قرن ونصف. وها هي الساعة الحرجة قد حانت، فالمنظومة مهددة بسقوطها بلا رجعة، بعد أن أصبح النظام اللبناني نفسه مهدداً بإسقاطه عبر عقد اجتماعي جديد غير طائفي يوقف الحروب الطائفية باسم الدين على الأرض اللبنانية.
من هنا، تخشى المنظومة استحقاق الانتخابات. وتحاول الإيقاع بعروسها مينا، خطيبة المحامي الذي سجنه دراكول في قصره في ترانسيلفانيا، لتمنحه العودة إلى الزمن، وتضمن بقاءه في السلطة إلى ما لا نهاية.

وإذا كانت إليزابيت زوجة دراكولا ماتت، فهي جيل الحرب الذي هرم بجزء كبير منه اليوم. أما انتحارها فليس سوى صيرورة الزمن لصالح الفئات الشابة، وليست مينا سوى الشعب اللبناني مع فارق الزمن والنبض التائق للتغيير، هو جيل جديد لم يغرق بالدموية، وتفكير جديد وإرادة مغايرة عن إرادة مجتمع الحرب المنصرمة.

ومينا هي حاضر المجتمع اللبناني ومستقبله، هي الفتاة الشابة التي سيضمن حبها لدراكولا استمرار آلة القتل العبثية، وكان يجب أن تموت المنظومة في الحرب، لكن توليها السلطة دونما محاسبة أسقط عليها اللعنة الأبدية، وها هي تسعى لتجديد شبابها، عبر انصهار جديد مع الشعب اللبناني الفتي هذه المرة، ولو اغتصاباً للثورة بالقوة، ولو عبر تهجير الآلاف وتدجين البقية. فهي أفقرت اللبنانيين وتعتمد على شلل مقومات الدولة لإعادة فرض نفسها، والأهم من ذلك، استقواؤها بالنظام الذي يغذيها.

وأخطر ما في دراكولا العجوز، هو أن حبه لمينا يعيد له مجده. وهذا ما يسعى البروفيسور الجامعي أبراهام فان هيلسنغ (أنتوني هوبكنز) لمنعه من الحصول إلى جانب حبيب مينا، لكن يتمكن دراكولا منها فيغريها، وهي لا ينقصها الجمال ولا الذكاء، لكنها تغرم بمسخ، مع أنها رأت ما حلّ بصديقتها لوسي الشاحبة التي تضعف أمامها حدّ الموت بسبب امتصاص دراكولا لدمائها.
وكذا الشعب اللبناني، يعشق مصاصي دمائه وأحلامه وقتلته مع انه يرى ما يحل بغيره من اللبنانيين، وينصهر مع الزعيم حدّ العبودية، متغاضياً عن النهش بجسده والعلامات الحمراء التي سببتها أنياب دراكولا، فيما الجروح تذكره بـ"نشوة" وساطة من هنا او توظيف من هناك او 100 دولار مقابل صوت في صندوق.
وفي لبنان، يرفض دراكولا الانفصال عن مينا، ولو اقتضى ذلك اغتصابها حد التمديد للمجلس النيابي هروباً من "تطليق" الشعب لمنظومته، فمينا رهينة بين يدي دراكولا، الذي لن يتركها قبل ان يأخذ كفايته من الدماء. فالعيون الحمر لم ترتو بعد، ولن ترتوي قبل ان تصبح الفريسة متماهية مع الجريمة.
يبحر دراكولا على متن السفينة الروسية "ديميتري" آخذاً معه صناديق تراب ترانسيلفانيا التي يحتاجها ليحافظ على قوته. ترسو السفينة على شواطئ ويتبي في إنجلترا. يختفي الطاقم بأكمله في ظروف غامضة، حتى بقي القبطان وحده. ويظهر حيوان مخيف يشبه الذئب، ويقفز إلى شاطئ المدينة...
وأطبق دراكولا على لندن، آتياً من ترنسلفانيا وحروبها التاريخية، وأطبق أمراء الحرب والسلم، دراكولا على بيروت ومينائها، آتين من مجازر دموية ففجروا مرفأها بسفينة "روسوس" وصناديق نيترات الأمونيوم ولغزها، وها هم يريدون طمس الحقيقة منعاً للمحاسبة. وكما بريطانيا أصابتها اللعنة في عصر دراكولا، بات لبنان ملعوناً ومسحوراً، حتى دخل جهنم وحكمته شياطينها!

الذي لا يموت

أما حبيب مينا، المحامي جوناثان هاركر (كيانو ريفز)، الذي سرعان ما اكتشف حقيقة دراكولا بعد احتجازه له في قصر ترنسلفانيا، واستعصى عليه الفرار بسبب امتصاص عاهرات دراكولا لدمائه بشكل يومي، ما أضعف قوته الجسدية، فلم يشرب بدوره من دماء تلك العاهرات، أي لم يتحول الى "زومبي"، على عكس صديقة مينا، الفتاة فاحشة الثراء، لوسي!
والمحامي هاركر هو المواطن الذي ينجو من محاولات السحق اليومي ولا يتماهى مع الفساد والجريمة، وهو سيادة الوطن الحبيسة في قرارات التبعية، وهو المواطنون الثائرون، وهو الوطنية الخالصة الصافية.

أما عاهرات دراكولا، فهنّ الدولة العميقة وأزلام الأحزاب الحاكمة، وهن 3 فتيات يتكفلن بالمحامي ريثما يفوز دراكولا بقلب مينا فريسته، وهم الجسم القضائي الفاسد الذي لا يحاسب، والمجلس التشريعي الذي يغطي الجريمة والسلطة التنفيذية التي تمتص شعبها، وهم جميعهم يرهقون الشعب عوض إسعافه، فيسهل الإنقضاض عليه، من مهد الشرعية!
و"تجار الهيكل" يعملون بإمرة دراكولا فينفذون رغباته ليحصلوا على القليل من المكتسبات في الدولة اللبنانية، تماما كالعاهرات اللواتي تنتظرن الأطفال التي يجلبها لها دراكولا يومياً لتلتهمها.

ولعلّ غنى لوسي صديقة مينا، يمثل الفروقات الطبقية في لبنان، وكيف أن الثروة والنفوذ والنظام الأوليغارشي، من مصارف وغيرها، في خدمة النظام كلها.
ودراكولا أغوى لوسي بجنوح وحش ضاجع بشرياً حتى أدمنت حاجتها إليه، ومع أنها رأته على هيئة الوحش الذي فيه، لم تخف من قباحته، بل تماهت معه حتى أصبحت زومبي بدورها.

ولعلّ مينا هي السواد الأعظم من الشعب. فهي ترى دراكولا شاباً في مقتبل العمر، بجسد ممشوق قوي، فتتوق للتوحد معه، وكذلك غالبية الشعب ترى زعماءها، وتصدق معاركهم الدونكيشوتية، وتمنع كل محاولات محاسبتهم. وكما "اجتمع في النبي يوسف نصف جمال العالم"، اجتمع في وزير الطاقة الجديد وليد فياض جمال الطبقة السياسية الخارجي، نعم هذا دراكولا في أبهى حلله، لكنه "يعض" حدّ القتل- ليس بشخص الوزير فياض طبعاً- بل بالهوية المعنوية لدراكولا، الذي يفديه البعض بروحه وجسده، للحصول –ولو-على لحظة واحدة من اللذة!

ودراكولا غارق في غياهب الظلام، كلبنان الغارق في العتمة، فهو يخاف النور، ويمرمغ جسده بتراب أعماله الفاسدة ليستعيد قوته، عبر صفقات الفساد في الدولة. وهو قال لمينا "لا تريني" عندما كان بهيئة وحش، وقال لها "الآن فلتريني" عندما كان بهيئة الشباب وسيماً، ولدى وضع النور بوجهه استحال "فئراناً" ، لتصرخ مينا التي كانت مسحورة بجسده منذ لحظات قليلة، وصفة حبيبها بالفئران الـ"وسخة".
فلا قدرة لدراكولا على سحر مينا لو رأته في النور، لكن الكهرباء في لبنان "مقطوعة". أما سحر دراكولا العابر للزمن، فيستمده من ماضيه الدموي "البطولي" في نظر إليزابيت في داخل مينا، فهناك جزء من الشعب يحن لمغتصبه وجلاده، لكن ما نفع وعود دراكولا بحياة أبدية في الظلام لزوجته الجديدة، ثم ألم يكتف اللبنانيون من العتمة؟؟؟
المنظومة العطشى للدماء

ومن جريمة المرفأ إلى جريمة طمس العدالة فحريق التليل في عكار، ففقدان أدوية السرطان... كلها جرائم تقتل بلا دماء. لكن الكونت لا يشبع من امتصاص الدماء. ودراكولا لبنان ليس واحداً، بل أكثر من دراكولا، تتصارع فيما بينها على دماء اللبنانيين وأرواحهم، ما يكلف نزف المزيد من الأبرياء في حمام دم لا ينتهي.
ودراكولا في لبنان أنواع، من الميليشيا التي تقتل بالسلاح والايديولوجيا والتخوين وهدر الدماء، إلى المافيا التي تقتل بسرقة المال والمستقبل والأمل. هي دراكولات متعطشة حتى لدماء التوريث السياسي، التي يدفع ثمنها الشعب حكم ابن الزعيم وسلالته "مدى الحياة".

وهي دائرة موت لا ينتهي تبدأ بدراكولا، ثم ضحاياه بمستويات عدة: الـ"زومبيز" وهم جلادون بوتيرة أقل مثل لوسي، وفئة المتيقظين لشره كالبروفيسور الذي عاصره في الحرب والسلم ولم تغشه حقيقته يوماً، وخطيب مينا، المواطن الذي يقاوم أسره، وفئة إليزابيت جيل الحرب التي انتحرت فضاع عمرها اقتتالا وحروبا وكراهية، أما السواد الاعظم من الشعب، مينا، فتدفع الثمن هجرة ومستقبلا مجهولا، لكن كل هذا لم يفقدها جمالها وسحرها ولا شغفها، ولو أنه موجه –اليوم-بجزء منه لدراكولا، عوض خطيبها!
وآلة الإجرام لا تستكين، وكلما تفلت دراكولا من العقاب، كلما ازداد قوة. و"أمير الظلام" عندما قُتل في الرواية الحقيقية، قام السلطان العثماني بتعليق رأسه لإثبات وفاته للناس. أما في فيلم Dracula، فكان المحامي الحب وكان الشغف الجارف المغمس باللعنة هو دراكولا، لكن مينا رغم عشقها له حدّ التيتم، أدركت أخيراً أن شبقها كان يعني الدمار الكلي لمدينتها، وأدركت أن العيش إلى جانبه لا يتم إلا في الظلمات، فقطعت رأسه، لأنها عرفت أن بيدها خلاص العالم وخلاصها من هذا الشرور.

عن دراكولا الذي يخاف الزمن
وحب الوطن شيء وحب المنظومة شيء آخر. واذا كان دراكولا احتجز الوطن في قلعة ترنسلفانيا، ونافست المنظومة السيادة عبر ولائها للخارج، وطعنت الوطنية، وأوحت ألا بديل عنها يحكم الوطن، هي المتعطشة للدماء لأن "ايام الحرب قد ولت وبات الدم نادرا"، لكن دراكولا يخاف الزمن، ولا مفرّ من عشق مينا لمن ينقذها عوض أن يمتصها حدّ قتلها!
"خذني من كل هذا الموت"، تقول مينا لدراكولا في لحظة يأس من الانهيار حولها، كما اللبنانيون المتعلقون بزعمائهم، لاعتقادهم انهم المخلصون، والمنقذين، مع انهم جلادون، ولا يريدون الا انقاذ انفسهم عبر مينا، لا إنقاذها!

"هل تعتقد انك يمكنك تدميري بآلهتك، انا من خدم الرب، انا من قاد الامة، قبل سنوات من ولادتكم". هذا خطاب دراكولا لمطارديه الذي يشبه حوارا مفترضا لمنظومة مهترئة تخاطب جيل لبنان الجديد.
"لقد تمت خيانتي"، يقول دراكولا، وهذا شعور المنظومة اليوم، التي يجب ان تحاسب لجرائمها. "هي الآن زوجتي"، يقول داكولا بعد التصاقه جسديا بمينا، فيكشف نقطة ضعفه، إذ دون حاضنة شعبية تفقد المنظومة أسلحتها مهما اشتد فتكها، وتصبح خارج الزمن!

"مينا اشربي وانضمي إليّ في حياة أبدية"، هي جملة قالها دراكولا لمينا في دعوة صريحة للاتحاد معه، لكنه كان أرحم عليها من زعماء لبنان، فدراكولا أحب ضحيته حدّ تحذيرها مما ينتظرها في عالمه الذي يدعوها للانضمام إليه، على عكس المنظومة الكاذبة.
وحتى دراكولا قال لرهينته "امنحيني السلام" في قراءة واقعية لصيرورة الزمن، في حين أن المنظومة اللبنانية تأبى أن تتنحى عن الحكم. وحبيب مينا أصاب دراكولا برصاصة لكنه لم يمت. فسرّ القضاء عليه كان بخوزقة قلبه ثم بفصل رأسه عن جسده. ولن يستكين لبنان حتى لو رحلت وجوه المنظومة، فوجوهها متعددة، فيما قتلها في سبيل إنقاذ الوطن يعني خزق النظام الطائفي، فهو "رأس" المنظومة و"قلبها".

الأكثر قراءة