مشقة بحثي عن "مواد النظافة الشخصية" بما لا يتعدى الحد الأدنى للأجور!

حقوق الناس | | Friday, August 27, 2021 5:00:22 PM

فتات عياد – التحري

حين تصبح النظافة الشخصية "ترفاً" والوقاية مشروطة بالمال يسهل تصنيف لبنان "غير آمن للنساء" اللواتي تُهمّش حاجاتهن الأساسية بشكل متواصل وسط غياب تام للدولة المصونة. فقر متعدد الأبعاد يلتهم فرصي وبنات جنسي بالحياة ويُقلّبُنا على نارٍ هادئة.

تُعرِّف منظّمة الصِّحة العالميَّة "الصِّحة" بأنها حالة من اكتمال المعافاة البدنيّة والعقليّة والاجتماعيّة وليس مجرد انعدام المرض، وفي ظل هذا التعريف عاجزات نحن كلبنايات (أو مقيمات في لبنان) حتى عن "نظافتنا الشخصية" وشراء المستلزمات الأساسية لحماية أنفسنا وجلدنا وشعرنا وتفاصيلنا كونها مواد "تتخطى الحد الأدنى للأجور" أو أنصاف مداخيل "المَحظيّات" بيننا.

ومن منطلق رفع الصوت... ليس لأن هناك من يسمع بل لمجرد رفعه وإزعاج المنظومة الأبوية التي تأبى الاعتراف بحاجاتنا؛ قررت مشاركة "مشقة بحثي عن حاجاتي الأساسية بما لا يتعدى الـ675 ألف ليرة" أو الحد الأدنى لأجر المواطن اللبناني "العظيم".

حملت بين يدي 675 ألف ليرة، ودخلت إلى السوبرماركت، لأرى كم تكلف الحاجيات الأساسية لنظافة سيدة لبنانية، ما إذا أصبحت نظافتي الشخصية في لبنان، من الكماليات...

الاستحمام

"بفيق ع بكرا بكير... بغسل وجي وإيديي" هي أغنية تمّ تلقيننا إياها عن ظهر قلب، وتهدف لتعويد الأطفال منذ الصغر على سلوك مشترك للشعوب على اختلاف ثقافتها، ألا وهو غسل الوجه والأسنان عند الاستيقاظ.
وفي رحلة البحث عن أسعار منتجات النظافة في السوبرماركت، نكتشف أن هذه العملية "البسيطة" تتطلب صابونة الوجه بـ20 ألف ليرة، أو غسول الوجه الذي قد يصل سعره إلى 50 ألف، وفرشاة الاسنان التي يبدأ سعرها بـ20 ألفاً وقد تصل إلى90 ألف ليرة حسب الشركة المصنعة وشكل الفرشاة والتقنيات التي تؤمنها، أما دواء الأسنان فقد يتراوح سعره بين 30 إلى 90 ألف ليرة، وبعض المستهلكين يضطرون لشراء الدواء الأغلى سعراً، لمعالجة لثتهم الحساسة. أما غسول الفم، والذي لا مفر منه لمن قاموا سابقاً بتبييض لأسنانهم، أو من يعانون من رائحة الفم الكريهة، فيتراوح سعره بين 25إلى80 ألف ليرة، في وقت يكلف فيه أرخص مسحوق غسيل لليدين، 20 ألف ليرة... أي أنك وبمجرد استيقاظك من الفراش تكون قد استهلكت موادا سعرها عند الشراء يبلغ 130 ألف ليرة كقيمة وسطية!

أما عملية الإستحمام –التي لا مفر منها هي الأخرى- وبعيداً، عن توفر المياه من عدمه في لبنان، وإمكانية الدفع لشرائها، يكلف سعر قنينة الشامبو العادية 40 الف ليرة، بينما يصل البعض الآخر إلى 100 ألف ليرة، وذلك بحسب النوعية، وما إذا كان الشامبو مخصصاً للشعر الذي يعاني من القشرة، وغيرها...
يضاف إلى عملية غسل الشعر بالشامبو، استعمال ملمس الشعر، أو البلسم بمعدل 30 ألف ليرة للأنبوب الواحد. أما الليفة، فسعرها الوسطي 20 الف ليرة، والصابونة العربية 20 ألفأً، فيما سائل الإستحمام، 30 ألفاً. والمحصلة الوسطية، 110 آلاف ليرة.

النظافة الشخصية

ولم تعد عملية التبضع "مسلية" في لبنان، بل أنها عذاب للنفسية والجيبة على السواء. أفرك عيناي مراراً، خشية من أن أقرأ تسعيرة المنتج دون بعض الأصفار، فأتبهدل عند دفع الفاتورة!

أكمل جولتي في السوبرماركات، وبين الرفوف، لأرى أن مزيل العرق بات يكلف بين 30-50 ألف ليرة، والسعر وحده يسبب التعرق! أما مزيل طلاء الأظافر فيكلف 25 ألف ليرة، حسناً، بلا طلاء الأظافر!
أما مقص الأظافر فيكلف 15 ألفاً، وبما أنه لا استطاعة لنا بمنع أظافرنا عن النمو، لا مفر من دفع المبلغ! هذا ويكلف القطن الخاص بتنظيف الأذنين 20 ألفاً، وإذا ما أضيف إليهم مزيل المكياج بـ 20 الف ليرة، يصبح المجموع 120 الف ليرة.
ندخل الرفوف التي لا غنى عنها لكثير من النساء، فالدورة الشهرية عملية بيولوجية لا تستطيع الدولة إيقافها! وتكلف علبة الفوط الصحية الواحدة 30 ألف ليرة، وبعض النساء قد تحتجن 3 علب في الشهر الواحد. أما فوط الاستعمال اليومي، فتباع بمعدل 20 ألفاً، وبعض النساء قد يستعملن علبتين في الشهر، وفي معدل وسطي لعلبة الفوط الصحية، قد تدفع المرأة اللبنانية 130 ألف ليرة على الدورة الشهرية بالإضافة إلى غسول حميم (الحمدلله ما زال مدعوماً كونه من الأدوية) بـ20 ألف ليرة إضافية... هذا إن تواجد "السيتيال ينتظر رفع الدعم" ومخزن على الأرجح... أو ربما في رحلة تهريب نحو سوريا أو العراق.

أما معدات النظافة لناحية إزالة الشعر الزائد، فشفرة الحلاقة النسائية تكلف بين 45 إلى 266 ألف ليرة، أما أنبوب الشمع الواحد فيكلف 26 ألف ليرة، فيما علبة السكر المخصص لإزالة الشعر، فـ 15 ألف ليرة، وكل امرأة قد تستعين بكل هذه الوسائل أو ببعضها في كل شهر، مع قيمة وسطية، 150 الف ليرة.


فيروس الفقر عدو النظافة!

والقصة لم تنته بعد، إذ بعد انتشار فيروس كورونا، باتت قنينة السبيرتو ملازمة لأي سيدة، وسعرها يبلغ حوالي 35 الف ليرة، أما المحارم المرطبة، فسعرها 20 الف ليرة، فيما علبة المحارم العادية 30 ألف ليرة، وجل اليدين المعقم 20 الف ليرة، في حين يبلغ سعر 20 كمامة في الشهر، 30 ألف ليرة، في محصلة تصل إلى حدود الـ150 ألف ليرة.

أخرج من السوبرماركات بعدما أرجعت من فاتورتي التي بلغت 790 ألف ليرة، بضاعة بقيمة 115 ألف ليرة، إذ تخطت فاتورة نظافتي الشخصية، الحد الأدنى للأجور، وهي لم تكلف سوى 41 دولاراً، لكن "ليراتي" لا تكفيني لـ"الوقاية".
أخرج من السوبرماركات، وأنا أخشى فيروساً أخطر من فيروس كورونا بكثير، هو فيروس الفقر الذي يجتاح مجتمعنا، ويمنعنا حتى من المحافظة على نظافتنا الشخصية، بعدما لوث حكامنا، حياتنا، حدّ "الوساخة"!

الأكثر قراءة