لبنان: صيانة السيارات باتت من "الكماليات" وشيكات التأمين على الحوادث "بلّوها واشربوا ميّتها"!

التحري | | Tuesday, July 20, 2021 4:37:24 PM

فتات عياد
لم تترك الأزمة المعيشية قطاعاً في لبنان إلا وأنهكته. وكان لكاراجات صيانة السيارات حصتها، حيث تقلصت أرباحها على وقع انهيار الليرة، في حين اضطر بعضها للإقفال نهائياً، فيما يصارع آخرون للبقاء رغم الصعوبات، ومن بينهم عبد الحكيم غضية، الذي فند تحديات المهنة على وقع الأزمة، في حديث لـ"التحري".
والكاراجات في لبنان نوعين، كاراج الحدادة والبويا الذي تعوض له شركات التأمين ضربات حوادث السيارات بعد الموافقة على الطلبات المقدمة إليها، وكاراج الكهرباء والميكانيك، الحر بتسعيرته، فيما الزبون حر بقبول التسعيرة من عدمه.
فما هي معاناة كل نوع من هذه الكاراجات؟ وإلى أي مدى تأثرت بالأزمة؟

السوق السوداء للشيكات المصرفية!

بسخرية من من واقع الحال، يقول خبير حوادث السير عبد الحكيم غضية، مالك كاراج غضية إخوان، في حديث للتحري، "صار بدنا ندفع من جيبتنا لنصلّح سيارة الزبون"، مضيفاً "هل من عاقل يقبل أن يعمل في مصلحة خاسرة؟".
ويعزو خسارة كاراجات الحدادة والبويا إلى "قبض شيكات شركات التأمين بالدولار، فيما لا قدرة لنا على صرفها إلا بالسوق السوداء، وبنصف قيمتها أحياناً، ما يضطرنا لدفع الفرق، حرفياً من جيوبنا الخاصة"!
ويشرح غضية أسلوب العمل وكيف تأثر بالأزمة "فنحن كنا نأخذ على تصليح القطعة المتضررة في السيارة 50 دولاراً من شركة التأمين، بعد موافقتها على تغطية العطل الذي يغطيه التأمين جراء الحوادث، وإذا افترضنا أن السيارة بحاجة لتغيير 10 قطع، تصبح فاتورة التأمين 500 دولار، نأخذها منه مباشرة، ونعطي للتجار بين 150 الى 200 دولاراً، وهي كلفة القطع التي نقوم بتغييرها، فيما كنا نربح بحدود الـ300 دولار كأجرة تصليح".
أما اليوم، فموازين الربح والخسارة انقلبت رأساً على عقب، فغضية الذي قام مؤخراً بتحصيل شك من شركة التأمين بقيمة 450 دولاراً، كان قد دفع سعر البضاعة للتاجر قبل أخذ الشك، بقيمة 110 دولارات نقداً. لكنه لم يستطع صرف الشك في البنك بقيمته بالدولار، مع أنه المستفيد الأول، حتى أنه عرض على إدارة المصرف إعطاءه المبلغ بالليرة اللبنانية وفق سعر منصة صيرفة، أو حتى وفق تسعيرة الـ 3900 ليرة للدولار الواحد، لكن المصرف رفض.
ومع اضطراره للدفع للتجار وتصريف الشك المصرفي، ما كان من غضية إلا أن قام ببيعه في السوق السوداء لقاء 72 دولاراً. فخسر فيه 378 دولار، فيما دفع من جيبه للزبون 38 دولاراً، وقام بإصلاح سيارته! يضاف إليها مصاريف المازوت وأجرة يد العمال...
ولا تقبل شركات التأمين أن تعطينا الشك إلا بالدولار، ولا تقبل معنا حتى بدولار يساوي 3900 ليرة، فيما نبيع الشك بالسوق السوداء بأقل من 3000 ليرة للدولار، يعقّب غضية!
و"آخرتها؟" يسأل مستغرباً كيف أن "البضاعة مسعّرة بالدولار وهو تخطى الـ 20 ألف ليرة في السوق السوداء، وما زالت شركات التأمين تعطينا إياه وفق الـ1500 ليرة".
وخسارتنا أصبحت 100% ما يدعو العديد منا للتوقف نهائيا عن العمل،وإقفال كاراجاتهم كلياً. فحتى تنكة المازوت التي نحتاجها في مصلحتنا، ما عدنا نستطيع شراءها إلا في السوق السوداء. أضف إلى أنه كل آخر أسبوع "وكي لا نتبهدل"، نسدد للشغيلة وللتجار أموالهم من جيبنا الخاص. وبما أننا ما عدنا نربح، فهذا يعني ان ما راكمناه من أموال طيلة هذا العمر، علينا استنزافه بين رواتب عمال وكلفة بضائع للتجار، للاستمرار بمصلحة ما عادت منتجة!
ويسأل "وبعدين؟"، مجيباً "هل المطلوب أن أوقف كل هذه الطوشة؟"، فأصرف جميع العمّال، وأقفل الكاراج الذي أسسته عام 1979؟ ولماذا يجرنا السياسيون الى مكان يستغبوننا فيه، إذ يريدوننا حماراً يركبون عليه، و"هل عليّ لأبقي اسمي في السوق ومع شركات التأمين أن أعمل بخسارة؟"، وإذا كنت أنا "شايل قرشين "وها أنا أصرف منهم، لكن ماذا يفعل من لا يملك أموالاً بالمرّة؟
ويتساءل غضية "تعبان بعمري ليش بدي اتبهدل؟"، معلّقاً "عمره ما يتصلح شي"، هو الذي يصف الواقع بـ"الشيء المخيف"، فالسلطة "لا تحاربنا بجيوبنا وصحتنا المهددة وحسب، بل بالنفس الذي نتنفسه".
وينظر غضية الذي تجاوز الـ50 عاماً الى حياته اليوم، وما كان يتوقعه لها، فيقول شخص بعمري يجب أن يكون مرتاحاً، فلماذا ولأجل من "عم اتبهدل؟". فأنا قد عملت لسنوات بحق الله، ووضعي أفضل من غيري بكثير، "بس ما هيك كنت بتوقع تكون آخرتي، إعطل هم الموتور والبنزين والزعماء بأحلى قصور عايشين". سائلاً "هل نحن زبالة العالم؟"، وماذا ينقصنا أنا وعائلتي كي نقوم بسياحة إلى البلدان ونستجمّ، عوض أن أصرف على كاراجي من تحويشة العمر، كي لا أرى باب رزقي مقفلاً؟".
وهي ليست مشكلة فردية أو شخصية بل مشكلة عامة، يؤكد غضية، مضيفاً، أنا على الأقل لا ديون لدّي، ما يعني أن وضع غيري أكثر سوءاً بعد!

التصليح... بالدولار... والأسعار "نار"!

يكشف صاحب أحد كاراجات الكهرباء والميكانيك، متحفظاً عن ذكر اسمه، طبيعة عمل مصلحته، التي تختلف كلياً عن مصلحة كاراجات الحدادة والبويا، "فنحن نعرض تسعيرتنا على الزبون، فإما يقوم بتصليح سيارته في كاراجنا أو يذهب إلى كاراج آخر".
"تأثرنا، وكل العالم تأثرت بالأزمة وهذا أمر طبيعي على وقع ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة"، ويضيف المصدر "هل يستطيع الزبون أن يصلح سيارته بـ 2 مليون ليرة، وراتبه لا يتخطى هذا المبلغ؟ هو بلا شك سيترك سيارته بلا تصليح"!.
"فتصليح سيارة بـ100 دولار كان يعني سابقاً دفع 150 ألف ليرة، أما اليوم، فـ2 مليون ليرة!". من هنا "تقلصت أرباحنا بشكل كبير، إذ تقلص عدد الزبائن. وبعضهم ركن سيارته واتجه لركوب النقل العام، فلا قدرة لديه على التصليح وفق سعر صرف السوق للدولار".
في المقابل، ارتفعت مصاريف الكاراجات، "فنحن نشتري البنزين في الكاراج لتغسيل وتنظيف السيارات، وسعر البنزين ارتفع". هذا عدا عن ارتفاع تسعيرة مولد الكهرباء نظراً لارتفاع كلفة المازوت.
كما أننا اضطررنا لرفع رواتب الموظفين، فمصلحتنا حرة، وإذا لم نرفع قيمة الرواتب، ينصرف موظفونا بحثاً عن رواتب أعلى، ما لا مصلحة لنا به! وإذا كنا ندفع 300 ألف بالأسبوع للشغيلة، فاليوم بات الشغيل الواحد يتقاضى مليون ليرة.
ويختم حديثه، تقلّص عدد زبائننا، و"عم ندفّش"، لكن كي لا نزايد، فإنه على الأقل، ما زالت هناك أرباح تضمن استمرارية عملنا، أقله حتى يومنا هذا!
في المحصلة، فإن تصليح السيارة بات هماً كبيراً للبنانيين، الذين باتوا يخشون عليها من خدش أو عطل أو من عين الحاسدين. ترافقاً مع غلاء البنزين، وارتفاع كلفة التصليح، فيما جيوب المواطنين، "عم بتهوّي"، وأصحاب الكاراجات ليسوا أفضل حالاً!

الأكثر قراءة