من "منارة الشرق" إلى مقبرة الحريات... لبنان "دولة بوليسية" والصحافة هي الضحية والجلاد!

حقوق الناس | | Sunday, May 9, 2021 5:58:28 PM

التحري - فتات عيّاد

بقلم مُضرّج بالأحمر موضوع عند باب منزله، هُدِّد الصحافي اللبناني أحمد الأيوبي تهديداً بالقتل"لا تأويل فيه". وهو إن هُدِّد، فقبله قُتل الصحافي لقمان سليم، بـ"كاتم الصوت" الذي هُدد به!
ولبنان الكيان الذي عرفناه جميعاً، بني على حرية الرأي والتعبير، التي لم يضمنها القانون وحسب، بل كرستها أعراف بلد لطالما كانت أقوى من قوانينه، لا بل أن حرية التعبير هي إحدى أركان هذا الكيان، وروحه التي تمده بالحياة!
قبل الثورة السورية، كان قسم من اللبنانيين يقول "لا أريد العلم المجاني"، و"لا حتى الطبابة المجانية" و"لا الكهرباء24/24 "، لا أريد "الأخ الأكبر" الذي يراقب الشعوب في رواية الكاتب جورج أورويل... خذوهم، واعطوني الحرية!

وعلى وقع "حرية.. سيادة.. استقلال"، انبثقت ثورة الأرز عام 2005، إثر اغتيال رئيس الحكومة السابق الشهيد رفيق الحريري، ليشكل الحادث "الزلزال"، مفترق طرق في تاريخ لبنان الحديث، وليمهد يوم 14 آذار 2005، لإنسحاب الجيش السوري من لبنان. وهو ما عُرف بـ"الاستقلال الثاني".
لكن طيلة مدة الوصاية السورية للبنان، سيما بعد مرحلة السلم التي تلت الحرب الأهلية مطلع التسعينيات، لم تغب الكلمة، فظلت تقاوم الاحتلال، فكان ثمن الحرية باهظاً، وانضم إلى قافلة شهداء ثورة الأرز، الصحافيان جبران تويني، وسمير قصير، الذين اشتهرا بافتتاحيات نارية في جريدة النهار ضد النظام السوري لأعوام. أما الإعلامية مي شدياق، فكانت الشهيدة الحية، بعد نجاتها بأعجوبة من محاولة اغتيال.

تعمدت الأقلام بالدم، وتعمدت ثورة الأرز بقسم جبران بأن نبقى "موحدين مسلمين ومسيحيين دفاعاً عن لبنان العظيم"، قسم ردده حوالي مليون لبناني وحدتهم ساحة الشهداء ومحيطها، فهتفوا جميعاً "ما بدنا جيش بلبنان إلا الجيش اللبناني". وكانت "انتفاضة الاستقلال 2005" كما أسماها سمير قصير.
وللمفارقة، فهذه الساحة نفسها التي أعدم فيها جمال باشا السفاح عام 1916، عددا من الكتاب والصحافيين اللبنانيين المناهضين للاحتلال العثماني، ليصبح 6 أيار، عيداً للشهداء في لبنان. وليكشف هذا اليوم، حجم تهديد الصحافة الحرة للاحتلالات والأنظمة المستبدة، فهي شعلة تنوير للفكر، ومنطلق لثورات الشعوب!
وللمفارقة أيضاً، كانت هذه الساحة منطلقاً لثورة 17 تشرين، التي رددت "كلن يعني كلن". ودعت لـ"إسقاط النظام"، على اعتبار ان الطائفية في لبنان احتلت الدولة لسنوات، عبر المافيات والميليشيات، فوجب تحرير "الدولة"!

قمع ممنهج!

عام 1966، اغتيل الصحافي كامل مروّة، مؤسس جريدة الحياة، وصاحب مقولة "قل كلِمتَكَ وامشِ". هو الذي قال كلمته منتقداً حقبة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، فيما أغلبية اللبنانيين من بيئته كانت ترى بالزعيم المصري، "بطلاً" قومياً.

وعلى عكس غالبية الجرائم السياسية في لبنان، شاءت الصدف أن يشاهَد قاتل مروّة في مسرح الجريمة، ومع هذا لم تأخذ المحاكمة بُعداً سياسياً ولو أن القاتل نفّذ جريمته بإمرة ابراهيم قليلات، رجل المخابرات المصرية في بيروت. حتى أن كثراً خافوا السير في جنازة مروّة، فثقافة القمع بحق أصحاب الرأي لا تصل إلى هدر دمائهم وحسب، بل حتى إلى إقناع الناس بـ"أحقية" الجريمة!

هذا وهُدِّد المحامي محسن سليم عبر وضع عبوة ناسفة قرب منزله في الغبيري، لكنه بقي مصرّاً على أن يتوكل في القضية-ومثله لم يخف بعد عقود من الزمن- ابنه الكاتب والناشط السياسي لقمان سليم. قبل أن يُقتل لقمان بأشهر، تم منع ندوة له في خيمته "the hub" في ساحة الشهداء. فندوة سليم، الشيعي المعارض لحزب الله، "ضاقت" بعين بعض "الممانعين" من "الثوار" بعد انتفاضة 17 تشرين. وهنا كلمة ممانع لا يقصد بها التبعية لمحور الممانعة وحسب، بل ممانعة الحرية واختلاف الرأي!

هُدد سليم علانية بالقتل، وبـ"كاتم الصوت"، عبر عبارات كتبت على جدران منزل العائلة في الغبيري، فحمّل مسؤولية أي خطر يتعرض له للثنائي الشيعي، حركة أمل وحزب الله. قُتل سليم، ولم "يَسلم" من مقال في صحيفة الأخبار، كان أشبه بمحاولة قتل ثانية له بعد مقتله! بمعنى آخر، حتى من أبقى على فرضية أن تكون اسرائيل قد قتلت سليم في منطقة نفوذ حزب الله في جنوب لبنان، رأى أن "عميل السفارة الأميركية" برأي الحزب ومناصريه، هُدرت دماؤه من قِبل الحزب وصحافييه، فهم من "حرّض" للجريمة، وجهّز الأرضية لحدوثها.
وأليس "تحليلاً" للقتل، أن تَسأل الجماهير بعد الجريمة "ماذا لو كان سليم عميلاً فعلاً للأمريكان"؟ بمعنى آخر، "ماذا لو كان خائناً لمحورنا؟"، ليتفرع سؤال أخطر "هل الخيانة لهذا المحور عقابها القتل؟"، وينبثق سؤال أكثر قسوة، ما هي معايير العمالة؟ ومن قال أن هذا المحور، هو "بوصلة" لقياس "الوطنية"، وبعدها "العمالة"؟

"كلّ صحافي لبناني مشروع شهيد"، كان عنوان مقال في صحيفة الجمهورية عام 2012، وهو عنوان تشاؤمي، لكن واقعنا اليوم تشاؤمي أكثر، سيما وأن هذه العبارة توصّف مسار الصحافة في لبنان، على اختلاف حقباته السياسية. وها هم اللبنانيون اليوم يدقون ناقوس الخطر، أمام انفجار اجتماعي قد يطيح بكل شيء، وأمام انفجار أخلاقي لسلطة قضت على كل شيء، وها هي تريد أن تسرق الكلمة، لتقتل القتيل، وتمنعه من الصراخ بغية طلب النجدة، لتقتله دون السماح له حتى بلفظ أنفاسه الأخيرة!

وأبعد من الثغرات القانونية. هناك مخافة جدية من انحدار لبنان إلى ثقافة القمع عوض الحرية، وذلك بحجة "احترام بيئات الآخرين"، و"درء الفتنة". لكن، ماذا يعني سقوط الحرية بالنسبة لبلاد الأرز؟ وماذا يبقى حينها من لبنان؟

امتياز لبناني

لا عجب إن انطلقت أول صحيفة سياسية لا تمثل السلطة في المشرق العربي عام 1836، من بيروت، وهي جريدة "حديقة الأخبار" للصحافي خليل الخوري.
فلبنان عرف "الكلمة" المقاوِمة لكل احتلال، وترافق ذلك مع نهضة فكرية تجسدت بنمو قطاعات المطبوعات والإعلانات والإعلام. فكانت بيروت منارة للشرق، ومنها تقرأ سياسات المنطقة، وفيها تحاك. وحتى فيما كانت يرزح تحت وطأة الحرب، بقيت الكلمة فيها، أقوى من السلاح.
والصحافة اللبنانية كانت الأجرأ في العالم العربي، وهي مهدت مراراً للتحرر من الاحتلالات. وعند اعتقال رجال الاستقلال في قلعة راشيا عام 1943، كان لصحيفة "علامة الاستفهام (؟)" دور بارز في تعبئة اللبنانيين ضد الانتداب الفرنسي، وبعد مظاهرات شعبية صاخبة، أطلق سراح الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح، لينال لبنان بعدها الاستقلال.
الإحتلالات عدوة للفكر!

كان الصحافي نسيب المتني معارضاً للتمديد للرئيس كميل شمعون واصفا التمديد بالجريمة، وكان اغتياله بالرصاص بمثابة شرارة لـ "ثورة 1958". وهناك من اتهم "المكتب الثاني" بقتله، وهناك من اتهم الاستخبارات السورية بالقتل، على أساس أن المتني "ماروني واغتياله قد يشعل الثورة ضد الرئيس الماروني". وفي شتى الحالات، فإن، قتل المتني جاء إما لإسكاته، وإما توظيفاً للجريمة لمآرب أمنية وسياسية، وفي كلا الحالتين، هي جريمة موصوفة!
عام 1980، أي بعد 10 سنوات على انتقاله للندن، وبعد قصف جريدته "الحوادث"، عاد الصحافي سليم اللوزي، سليط اللسان العنيد المناوئ بشدة للأنظمة القمعية العربية، عاد إلى لبنان للمشاركة في عزاء والدته، فخُطف لأيام، ثم قتل.

اللوزي، الذي شكلت "نكسة" العام 1967 لنظام جمال عبد الناصر في مصر تبدلاً جذرياً في نظرته للأنظمة القمعية، هو الذي كان داعماً للقومية العربية وللناصرية، كان الوجود السوري في لبنان سبباً حاسماً في جعله معادياً لكل الأنظمة القمعية الشمولية.
لم يثتثنِ الصحافي المخضرم تلك الأنظمة بما فيها حكم معمر القذافي في ليبيا، لكن كان للوجود السوري في لبنان بين سطور نقده "حصة الأسد"، فبرأيه، كان هذا الوجود "احتلالاً" سورياً للبنان!

قبل اغتياله، كتب اللوزي "قال لي صديقي الدمشقي كنت خائفاً عليك من التصفية صرت خائفا عليك مما هو اشد واقسى". كان اللوزي يعلم بالخطر المحدق به، لكنه هو الذي قال يوماً "لن أركع"، فكان مجازفا حتى الموت، ولو لم يكن كذلك، لما كان كتب بجرأة قلّ مثيلها، عن أنظمة لم يكن لإجرامها مثيل!
لم يكتفِ قتلته بقتله وحسب، كانوا كمن يشفون غليلهم من يده التي كانت تنقل فكره الحر، وتبعثه كلمات على ورق. فذُوبت يده اليمنى بالأسيد، وكانت يداً لاذعة، وكان قلمه سلاحاً فتاكاً، لكنه سلاح حر، لم يقتل أحداً، على عكس أسلحة قتلته!

بعد أشهر على مقتل اللوزي، قُتل نقيب الصحافة اللبنانية رياض طه برصاص مسلحين اعترضوا سيارته، هو الذي قال في موت الأخير "كارثة تحل بالصحافة ولبنان".
وعام1985، سقط سمير عاصم سلام، رئيس تحرير مجلة "الفهرس" مع زوجته وولديه قتلاً في منزلهم في رأس بيروت. وهي جريمة تشبه جرائم تلت انفجار مرفأ بيروت، سواء لمتقاعدين في الجيش، أو للمصور جو بجاني.
تعرض صحافيون لبنانيون أيضاً للخطف خلال الحرب، كالصحافي ميشال ابو جودة الذي خطف إلى سوريا وتعرض للتعذيب فيها، وبعضهم تعرض لمحاولات اغتيال فاشلة، كصاحب جريدة "السفير" طلال سلمان، وصاحب مجلة "الشراع" حسن صبرا.
أما البعض الآخر، فسُجن مراراً، كصاحب جريدة النهار، غسان التويني، الذي انتقد محاكمة أنطون سعادة، قائلا في مقال له تحت عنوان "سعادة، المجرم الشهيد": كم كنا نود لو ترك للشعب أن يقف حكماً بل حاكماً بين الحكومة وأنطون سعادة.

بعد هذا المقال أوقف غسان ووليد تويني أمام المحكمة العسكرية بتهمة تحقير الجيش، بعدها تم توقيف غسان لمدة ثلاثة أشهر وفق المادة 79 من قانون العقوبات.
إذاً، اغتيال الصحافة لم يرتبط بحقبة معينة، ولا هو منوط بأجهزة أمنية أو احتلالات، فهو قد يأخذ أشكالاً عدة، لكنه يكثر في أزمنة الاحتلالات والأنظمة الفاسدة، فيصبح الفكر مستهدفاً، وتصبح الكلمة الحرة في موضع الاتهام!
واليوم، بات الولاء للزعامات الطائفية على حساب الوطن أخطر أنواع الإحتلال في لبنان، فهو احتلال للدولة عبر تمدد الفساد والمحاصصة للأجهزة والقضاء. وفي ظل غياب الصحافة المستقلة، ما زالت الكلمة الحرة عرضة لسفك الدماء!

الدستور وحرّية إبداء الرأي... شوائب وانتهاكات

يكفل الدستور حرّية إبداء الرأي والتعبير تحت سقف القانون. وتنص المادة 13 منه على أن "حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة، مكفولة ضمن دائرة القانون". لكن حرية المرء تقف عند حدود حرية الآخرين، وإذا تخطاها يعاقبه القانون. والمشكلة تكمن بالنصوص الـ"فضفاضة"، أي القابلة للتأويل، وكذلك بالممارسة والتطبيق.
فالصحافيون يحاكمون أمام محكمة جرائم المطبوعات، لكن هناك قضايا تحال إلى جرائم المعلوماتية لدى فرع المعلومات في قوى الأمن. فيما تلعب نقابة المحررين دوراً خجولاً في إطار الدفاع عن الصحافة، ويعكس إنشاء "النقابة البديلة"، هشاشة تمثيل النقابة لصحافييها.

في المقابل، يبدو المجلس الوطني للإعلام كقامع للإعلام وفق قاعدة "6 و6 مكرر" الطائفية. وقد تسجن المحكمة العسكرية صحافياً لسنوات، لمجرد أنه "مس بهيبة الجيش" برأي القاضي. فأحكام هذه المحكمة ذات طابع "عسكري"، لذا يطالب الحقوقيون بإلغائها، سيما وأنها محكمة استثنائية.
من جهة أخرى، برز التضييق على الناشطين في عصر السوشال ميديا، بعد أن أصبح باستطاعة الجميع "التعبير" والوصول للجمهور، وليس فقط الصحافيين. كما تجرم قوانين أخرى الخطاب الذي يعتبر مهيناً للأديان أو يثير النعرات الطائفية، وما أسهلها من حجة في لبنان، اتهام -المسؤولين الطائفيين- للمواطنين بإثارة النعرات وإهانة الأديان!
ولعل توقيف الصحافي مكرم رباح في المطار منذ أشهر، و سرقة هاتف الإعلامية ديما صادق من قبل مناصري الأحزاب على جسر الرينغ، يوضح تقاطع التدخل الأمني المخابراتي، مع تحريض الاحزاب لجماهيرها على قادة الرأي.

لا بل أن جماهير الأحزاب لا تقبل الاختلاف ضمن بيئتها المؤيدة نفسها. وهناك نماذج عديدة لاستهدافها الممنهج لشخصيات كانت يوماً تدور في فلكها. فتباين الإعلامي جوزف بو فاضل مع مواقف التيار الوطني الحر، جعلته في موقع الانتقاد من هذه البيئة، و مطالبة الصحافي قاسم قصير لحزب الله بإجراء نقد ذاتي للحزب، تسببت له بتهمة "الخيانة".
والصحافيون من فئة الخصوم، كالصحافي علي الأمين، قد يتهمون بـ"التواصل مع اسرائيل". وتستعمل الأحزاب الصحافة وأقلامها كأسلحة محرضة ومضادة للحرية والاختلاف، فتحرِّض أقلام "مكبلة" بالولاء السياسي، على أقلام حرة، تحريضاً حتى الموت!
آخر محاولة فاضحة لقمع الحريات،كانت محاولة النائب حسين الحاج حسن "تلقين" الإعلام درساً، عبر استدعائه لحضور جلسة للجنة الإعلام في المجلس النيابي. وعوض أن تسائِل السلطة الرابعة، بقية السلطات، وجدت نفسها في موقع المساءَلة!

إزاء هذا الواقع، تم تشكيل تحالف من 14 منظمة لبنانية بغية "الدفاع عن حرية التعبير في لبنان". ووثّق أعضاء التحالف ارتفاعاً مقلقاً في عدد الاعتداءات على حرية التعبير والرأي السلميَّين منذ مظاهرات العام 2015، وتصاعداً للاعتداءات إثر انتفاضة 17 تشرين.
لا بل أن المحكمة التمييزية أصدرت أمراً بالتحقيق في التدوينات التي تطال مقام الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد يصل العقاب هنا إلى سنتين في السجن.

التبعية السياسية

بدأ القضاء على حرية السلطة الرابعة في لبنان منذ محاولات تطويعها في زمن الحرب، ولتلفزيوني الجديد والـMTV، ذكريات مع القمع، وصلت لحدّ إغلاقهما لسنوات!
وأزمة المطبوعات والتمويل أضعفت الصحافة، فجعلتها راضخة للمال السياسي، متعطشة له لضمان استمراريتها، فكان هذا على حساب دورها بالمراقبة والمحاسبة وتوعية الرأي العام.
باتت الصحافة أداة تسويق للسلطات وأجنداتها. ومن أصل 16 بلدا، تحظى وسائل الاعلام اللبنانية باعلى معدل من التبعية السياسية 78.4% وفق تقرير لمنظمة مراسلون بلا حدود عام 2018.
أما في تقريرها عام 2021، فصنفت المنظمة لبنان في المرتبة 107 من أصل 180 دولة، بتراجع 5 درجات عن العام الماضي، فوسائل إعلامه "أبواق للأحزاب السياسية ورجال الأعمال".
أقفلت صحف عريقة في لبنان كالسفير، غادر تلفزيون المستقبل حلقة المنافسة التلفزيونية. وغياب استقلالية المحتوى، انعكس ارتهاناً لجزء لا يستهان به من الصحافيين لمنظومة الفساد، وهو أمر يسهل لمسه عند مقارنة مقابلة لمسؤول لبناني على محطة أجنبية، بمقابلة له على محطة محلية!

زياد عيتاني... فاضح الأجهزة!

إن كان حرق جورج زريق لنفسه إنذارا على الانفجار الاجتماعي في لبنان، فإن فضيحة تركيب ملف أمني لزياد عيتاني بتهمة العمالة، كانت إنذاراً فاضحاً على عمق النظام الأمني في لبنان، والدولة البوليسية!
وزياد مخرج مسرحي، إلا أن المستهدف من تركيب ملفه كان الصحافي زياد عيتاني، فالمقدم في قوى الأمن الداخلي سوزان الحاج قررت أن تنتقم من زياد الصحافي، بعدما قام بإعادة نشر تغريدة لها سخرت فيها من السعودية، لتبدأ رحلة فبركة الملف، لعيتاني المسرحي.
وتكشف هذه الفضيحة فساد أفراد في الأجهزة الأمنية، وكذلك تكشف التلكؤ في حسم القضية، لمصلحة الحاج التي تمت تبرئتها. ولسقطت جمهورية برمتها ولاستقال مسؤولو أجهزة وقضاة ووزراء في بلد غير لبنان بعد هكذا فضيحة، لكن مع الظلم الذي ألحق بزياد، عوقبت العدالة بذاتها وسأل الناس أنفسهم "من التالي"؟ وباتوا لا يثقون بشيء، وأصبحت العدالة في لبنان بنظرهم، "وجهة نظر"!
في رواية 1984 هناك "أخ كبير يراقب"، وفي لبنان هناك 6 إخوة كبار "يراقبون". ولعل ما قاله الوزير السابق غازي العريضي عن اغتيال الصحافي سمير قصير، يكشف أن الاجهزة متواطئة منذ زمن، فـ "لقصير تاريخ مع الأجهزة اللبنانية، هي استمرت لسنوات تحاول إرهابه وقمعه، حاربوه طاردوه وسحبوا جواز سفره، وحاولوا الاعتداء على حريته الصحفية." و"استمر حقد السلطة ورئيس الجمهورية والأجهزة ضد سمير قصير لأنه علم من أعلام الكلمة الحرة في لبنان وعلم من أعلام الديمقراطية."

ثقافة القمع مقابل ثقافة الحرية

دق مقتل لقمان ناقوس الخطر. لكن ألم يبدأ قتله منذ إحراق خيمته في ساحة الشهداء؟ ألم يُشرّع باب القمع يومها ويغلق باب الحرية؟ ألم يُترك سليم "أعزلاً" بوجه "كاتمي" صوته؟ ألم تترك كل القضايا في لبنان بلا قاتل؟ وبلا عدالة؟
كل الأحزاب في لبنان تلجأ للقضاء -ظاهرياً- لمقاضاة إعلاميين وناشطين، إلا أن هناك قلماً مضرجاً بالأحمر يتنقل بين الصحافيين. وهناك "سحسوح" لكل مواطن يتطاول على زعامته. وإذا اشتهرت بيئة الثنائي الشيعي بـ"السحسوح" سابقاً، لكنه تمدد إلى البيئات الأخرى بعد ثورة 17 تشرين. فـ"الإخوة الـ6" يكرهون التمرد، ويحبذون السحاسيح!
ثقافة اللبنانيين أيضاً تدهورت إلى حد القمع، هم الذين تضامنوا مع مجلة شارلي إيبدو الفرنسية عند الهجوم الإرهابي عليها عام 2015، تجلى "قمعهم" بمنع مشروع ليلى في مهرجانات جبيل عام 2019، وصولاً لتهديد الفرقة بالقتل.
وحدها بيروت حضنت الحرية وكفلتها وأصرّت على إحياء الحفل، وها هي بيروت الحرية تحتضر اليوم إثر تدمير ثقافتها تاريخها وحضارتها بعد انفجار مرفئها. وهناك من يريد لها، موت الحرية فيها!
في مقابل ثقافة الترهيب والإلغاء، هناك أمهات رفضن المحسوبيات بعد توقيف أولادهن في المحكمة العسكرية بتهم "ارهابية" على اثر أحداث احتجاجات طرابلس. فبرأي هذه الأمهات "ما صدّقنا نتحرر من الزعامات"، و"نرفض المساومة على حرية أبنائنا"!

دولة بوليسية... ولا حرية دونما العدالة!

بعد مقتل سليم، قال مايكل بيج، نائب مدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "يحتاج لبنان إلى إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب على الجرائم الخطيرة التي سادت منذ الحرب الأهلية".
بدورها، قالت شقيقة سليم، رشا الأمير "ليس لديّ أي ثقة بهذا القضاء وهذه التحقيقات... المجرمون كاشفون عن وجههم. وحتى الآن في لبنان، لم تصل التحقيقات إلى أيّ نتيجة".
عام 2005 أصر اللبنانيون على "العدالة"، فكانت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. عام 2020 توصلت هذه المحكمة لنتيجة "محبطة" برأي كثيرين، فحمّلت سليم عياش، عضو حزب الله، مسؤولية في جريمة اغتيال الحريري، فيما بقيت أغلبية خيوط الجريمة مخفية، كسائر الجرائم السياسية في لبنان.
لم يتم القبض على عياش، ولا العدالة تحققت، ولا آلة القتل أوقفت. وأمام عدالة على المحك، وقضاء على المحك، وتفجير عاصمة وقتل أبرياء ونسف معالم بيروت، يطلق نادي القضاة صرخاته عله ينفخ في الجسم القضائي الروح، ليوقف نزفاً لن يقف إلا عند تصفية آخر أركان الوطن التي لا قيامة من دونها، ألا وهي الحرية، التي تستمد قوتها وحمايتها من العدالة!
ورغم قتامة المشهد، وفي سابقة لم يشهدها تاريخ لبنان المزدحم بالاغتيالات السياسية، تبنت الأمم المتحدة قضية الباحث لقمان سليم، ما يُعيد الأمل بتحقيق العدالة، في بلد مثل لبنان!

الحرية.. "أوكسيجين" لبنان!

رأى جبران تويني أن قوة لبنان في وحدته، وربطها ربطاً وثيقاً بسقوط جدار الخوف. وجاءت ثورة 17 تشرين لتوحد اللبنانيين، وتكسر جدار الخوف، وهي أصابت فيه تصدعات!
حلم سمير قصير بدولة تكون ملك المواطنين جميعاً، والمواطنين وحدهم، محصّنة بقضاء مستقل، وبتمثيل شعبي لا يرقى اليه الشك. ويأتي اليوم دور القضاء في قضية انفجار المرفأ، ولبنان الكيان موضوع في ميزان العدل، ينتظر حكماً، باسم الشعب!
أما رياض طه، نقيب الصحافة الحرة، فرأى أن "قافلة الوعي والتقدم تنطلق بسرعة، فإياك وأن تتعرض لها لأنها ستجتاح كل من يقف دونها. وإذا قتلتَ رياض طه، فإن قتله سيخلده وستشب من دمه نار تلتهمك أنت وذريتك".
سليم اللوزي ذهب أبعد من ذلك، قائلاً "وغداً إذا اغتالتني المخابرات العسكرية أكون قد استحققت هذا المصير لأنني أحببت بلدي وأخلصت لمهنتي".
يأتي عيد الشهداء هذا العام مكبلا بالاستدعاءات والترهيب، لكنه يثبت من جديد أن لا قيامة للبنان دون قيامة الصحافة الحرة فيه. وما أحوج لبنان للحرية، فهي أوكسيجينه الذي يمده بالحياة، وهي قلبه الذي به ينبض، ويأبى من دونه أن يعيش!

الأكثر قراءة